د. إبراهيم بن سالم السيابي
في بداية الحكاية، لم يكن هناك ما يثير الشفقة أو يدعو للتعاطف. كان المشهد طبيعيًا، بل مُبشّرًا. مشروع تجاري بدأ من فكرة بسيطة، تطوّر بالتخطيط، واستقام بالعمل المتواصل. صاحبه لم يرث تجارة، ولم يدخل السوق مغامرًا بجهل، بل دخلها بوعيٍ وحساباتٍ واضحة. درس المخاطر، استشار المختصين، وأخذ تمويلًا مدروسًا من البنك، لأنه كان يؤمن أن الطموح لا يكبر بلا دعم.
كان المشهد متوازنًا: بنك موّل، مؤجر وفّر الموقع، موردون التزموا بالتوريد، وعمال وجدوا مصدر رزق. الجميع مستفيد، والجميع راضٍ. في تلك المرحلة، لم يكن صاحب المشروع محط تساؤل أو شك، بل كان مثالًا للتاجر الجاد. يسدد التزاماته في وقتها، ويؤجل رفاهيته الشخصية كي لا يتأخر عن استحقاقٍ واحد. كانت العلاقة بينه وبين تلك الأطراف علاقة ثقة متبادلة، أو هكذا بدا الأمر.
مرت السنوات الأولى مستقرة، ثم بدأت التحديات تظهر تدريجيًا. لا انهيار مفاجئًا، ولا خطأ فادحًا، بل سلسلة من الظروف المتراكمة: سوق يضيق، منافسة غير متكافئة، ارتفاع في التكاليف، تغير في سلوك المستهلك، وأحيانًا قرارات لا تترك للتاجر مساحة للمناورة، ولا تُبقي له أدوات كان يمكن أن يلجأ إليها. حاول صاحب المشروع التكيّف، عدّل نموذجه، ضغط نفقاته، وتحمل ما يمكن تحمله، لكنه كان يسير عكس تيارٍ أقوى منه.
جاءت لحظة التعثر بطيئة لكنها حاسمة. لم يعد قادرًا على الإيفاء بكل شيء في وقته، لا لأنه لم يعد يريد، بل لأنه لم يعد يستطيع. وهنا، بدأ الوجه الآخر للحكاية يظهر.
البنك الذي كان يفاخر بقصص النجاح، استدعى لغة العقود والإنذارات. المُؤجِّر الذي كان يبارك التوسع، أصبح لا يرى إلّا تاريخ الاستحقاق. المورد الذي بنى جزءًا من مبيعاته على هذا المشروع، طالب بحقه كاملًا دون نقاش. لم تعد هناك مساحات للحوار، ولا اعتراف بتاريخ العلاقة، وكأن السنوات الماضية لم تكن سوى مرحلة مؤقتة انتهى مفعولها.
هنا يتجلى المثل العُماني بوضوحٍ موجع:" إذا طاح الجمل كثرت سكاكينه"؛ فالسقوط لا يجذب العون بقدر ما يستدعي القسوة، والتعثر لا يُقابل بالفهم بقدر ما يُواجَه بالتجريم.
الأقسى من المطالبة بالحقوق، هو تغيّر النظرة. فالتاجر المتعثر يُصوَّر فجأة وكأنه غير منضبط، أو مغامر طائش، أو شخص لم يُحسن التقدير، مع أن الجميع يعلم أن الحسابات في التجارة لا تحكمها الأرقام وحدها، بل الظروف، والتوقيت، والحظ، وتقلبات السوق.
في مجتمعات كثيرة، يُنظر إلى التعثر كمرحلة طبيعية في حياة المشاريع؛ لأنهم يفصلون بين فشل الفكرة، وقيمة الإنسان الذي وقف خلفها؛ فهناك ما يُعرف بثقافة الإنقاذ، وإعادة الجدولة، ومنح الفرص الثانية. لأنهم يدركون أن إنقاذ مشروع متعثر أقل كلفة من تصفية مشروع منهار. أما في واقعنا، فكثيرًا ما يُختصر الطريق في القضاء والإغلاق، وكأن الهدف ليس حماية الحق فقط، بل التخلص من المشكلة بأسرع وقت.
هذا النهج لا يضر التاجر وحده؛ بل يترك أثره العميق على الاقتصاد والمجتمع. فحين يُغلق مشروع، لا يُغلق معه ملف شخص، وإنما تُقطع أرزاق موظفين، وتتقلص حركة السوق، وتزداد البطالة، ويترسخ الخوف في عقول الشباب. يصبح السؤال الشائع: لماذا نغامر بمشروع، إذا كانت العثرة الواحدة كفيلة بإسقاطنا اجتماعيًا وماليًا ونعامل معاملة المجرمين؟
وهكذا، تتحول روح المبادرة إلى تردد، والطموح إلى حذر مفرط، ويخسر الاقتصاد طاقات كان يمكن أن تصنع فرقًا لو وُجدت منظومة أكثر إنصافًا.
الحديث هنا لا يدعو إلى إسقاط الحقوق، ولا إلى التهاون في الالتزامات، بل إلى إعادة تعريف الشراكة. فالبنك ليس مجرد جهة إقراض، والمؤجر ليس مجرد مالك عقار، والمورد ليس بائعًا عابرًا. ولكن كلهم شركاء أو جزء من دورة اقتصادية واحدة، وأي خلل في أحد أطرافها ينعكس على الجميع.
فالشراكة الحقيقية لا تُختبر في أوقات الرخاء، بل في لحظات الشدة. فمن وقف مع التاجر حين تعثر، لم يخسر حقه، بل استثمر في عودته. ومن مد له يد التفاهم، لا السكين، حافظ على السوق وعلى نفسه قبل أن يحافظ عليه.
في الختام، لا نبحث عن بطل ولا عن مذنب. نبحث عن عقل اقتصادي أكثر نضجًا، ورؤية أعمق لمعنى العدالة بالتالي نحتاج إلى إعادة النظر في معاملتنا؛ بل حتى في القانون الذي ينظم العلاقة فأصحاب المشاريع ليسوا مجرمين؛ بل اصحاب مبادرات؛ فالتجارة ليست طريقًا مستقيمًا، والمشاريع لا تُقاس بلحظة سقوطها فقط؛ بل بما سبقها وما يمكن أن يليها.
"إذا طاح الجمل كثرت سكاكينه" مثلٌ نُردِّده كثيرًا، لكن التحدي الحقيقي هو: هل سنبقى نكرره بوصفه واقعًا، أم نحاول أن نجعله تحذيرًا نتعلم منه؟ لأن الجِمال، مهما كانت قوية، حين تسقط، لا تنهض بالسكاكين التي تجهز عليها، بل بالأيدي التي تؤمن أن إنقاذها اليوم، هو حماية للجميع غدًا.
