د. إبراهيم بن سالم السيابي
«لو كان الفقر رجلًا لقتلته»، هكذا قال الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه. ومع ذلك، يبقى الفقر في كثير من الأحيان رفيقًا للإنسان، يتبعه في حياته، وفي عمله، وفي علاقاته الاجتماعية. غير أنَّ الفقر لا يقتصر على غياب المال أو صعوبة تأمين قوت اليوم، بل هناك فقر أشدّ قسوة؛ فقر الفرصة، وفقر الاعتراف، وفقر التقدير. فقد يكون الإنسان قادرًا على العطاء، يعرف ما يفعل، لكنه يظل محرومًا من أن يُرى كما هو حقًا، ويُقاس نجاحه بما يفتقده من فرص واعتراف، لا بما يمتلكه من معرفة أو خبرة أو قدرة على الإسهام.
وهنا يبرز السؤال: هل يصبح الفقر رفيق الدرب، يرافق الإنسان أينما حلّ في المجتمع أو في مُحيط العمل؟
في المجتمع، يُحرم كثيرون من التقدير في المواقف اليومية، وحتى في المناسبات الاجتماعية؛ حيث يُقاس الإنسان- لدى كثيرين- بما يملك من مال، أو ما يحمله من اسم أو منصب، لا بما يمتلكه من كفاءة وجهد أو ما يتحلى به من قيم ومبادئ. هذا الإهمال الصامت يترك أثرًا عميقًا في النفس، فيشعر الفرد بالوحدة وسط النَّاس، وكأنَّ جهوده تبقى غير مقدرة أو غير محسوبة، وكأنَّ الطريق أمامه يضيق مهما اتسعت المحاولة.
أما في بيئة العمل، فتبدو الصورة أكثر قسوة؛ فالفرد قد يمتلك الخبرة والمعرفة والمهارة، لكنه يظل خارج دائرة الفرص التي تتيح له التقدم أو تغيير مساره، لا لقصور فيه؛ بل لأن لا أحد التفت إليه أو منحه المساحة ليُظهر قدراته. فهناك من يقف طويلًا على أعتاب الفرص، حاضرًا في الجهد، غائبًا في القرار، لأنَّ الدعم لم يتوافر، ولأنَّ الأبواب لم تُفتح في الوقت المناسب.
وفي العمل، لا يكون الغياب دائمًا نتيجة نقص؛ بل أحيانًا نتيجة تجاوز. يظل بعضهم حاضرًا في الأداء، منضبطًا في الواجب، لكن حضوره لا يصل إلى حيث تُصنع القرارات. تمضي الفرص من جانبه بهدوء، لا لأن خطأً ارتُكب، وإنما لأن لحظة الاختيار لم تلتفت إليه.
في هذا المعنى، يتحوَّل الفقر من كونه نقصًا في الموارد إلى قيدٍ على الاعتراف والتقدير والفرصة ذاتها. إنه فقر يمنع الإنسان من أن يُرى كما هو، ويجعل التقدم صعبًا، لا بسبب ضعف في الإمكانات، بل بسبب معايير لا تنصف الجميع.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هناك من تمكَّن من كسر هذا القيد؛ سواء بدعم وُجد في لحظة فارقة، أو بقراءة واعية لفرص صغيرة تحولت مع الزمن إلى مسارات أوسع. هذه التجارب لا تُنكر قسوة الواقع، لكنها تؤكد أن الطريق، وإن كان ضيقًا، ليس مُغلقًا بالكامل.
وقد لا نتمكن من تغيير ثقافة المجتمع في تقدير الأفراد وفق المعايير السائدة، لكن يمكننا مراجعتها والحد من آثارها، دون أن يُعفي ذلك المجتمع من مسؤوليته؛ فثقافة التقدير والاختيار بحاجة إلى مراجعة جادة، وخصوصًا لدى أصحاب القرار. فكم من فرصة ضاعت، وكم من طاقة أُهدرت، لا لأن أصحابها أقل كفاءة، بل لأن الاعتراف لم يأتِ في وقته، أو لأن معايير التقييم انحرفت عن جوهرها. إن إعادة النظر في هذه المعايير قد تفتح أبوابًا جديدة للأمل، وتمنح المجتمع فرصة حقيقية للاستفادة من طاقات كامنة لم تتح لها الفرصة بعد.
وفي الختام.. يبقى السؤال مفتوحًا: هل الفقر رفيق الدرب؟ قد يكون كذلك أحيانًا، لا لضعف في الإنسان، بل لقسوة في الظروف والمعايير. وربما يكون التحدي الحقيقي ليس في قدرة الفرد على العطاء فقط، بل في قدرة المجتمع على أن يرى هذا العطاء، ويعترف به، ويمنحه المساحة التي يستحقها. ومع ذلك، يملك الإنسان خيارًا واحدًا لا يُنتزع منه: ألا يتوقف عن العطاء، وأن يُحافظ على معناه الإنساني، مهما ضاقت الظروف.
