غزة ومجلس السلام.. هل يُعاد رسم القضية خارج الأمم المتحدة؟

 

 

جان يعقوب جبور

 

ليست غزة اليوم مجرد ساحة حرب مفتوحة على المجهول؛ بل مختبر سياسي يُعاد فيه اختبار شكل النظام الدولي وحدود شرعيته. ومع تصاعد الحديث عن ترتيبات ما بعد الحرب، وعن أفكار تتصل بإنشاء إطار سياسي جديد برعاية أمريكية مباشرة أو ما يُوصف أحيانًا بـ«مجلس السلام» الذي تقوده واشنطن، يطفو سؤال جوهري: هل نحن أمام محاولة لإنتاج تسوية سياسية، أم أمام إعادة صياغة للقضية الفلسطينية خارج مرجعيتها الأممية؟

منذ عام 1947، حين أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 181 بشأن تقسيم فلسطين، أصبحت القضية الفلسطينية جزءًا من البنية القانونية للنظام الدولي. تتابعت القرارات: 242 بعد حرب 1967، و338 عام 1973، وصولًا إلى العشرات التي اعتبرت الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة أراضي محتلة، وأكدت عدم شرعية الاستيطان، وكرّست مفهوم حل الدولتين. حتى اتفاقيات أوسلو عام 1993، على الرغم من رعايتها الأمريكية، لم تُلغِ المرجعية الدولية؛ بل قامت نظريًا على أساسها.

غير أن التجربة الأمريكية في عهد ترامب (2017- 2021) مثّلت تحوّلًا نوعيًا في مقاربة واشنطن للصراع، من حيث: الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل (ديسمبر 2017)، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس (مايو 2018)، ووقف تمويل وكالة الأونروا، ثم طرح «صفقة القرن» في يناير 2020. هذه جميعها شكّلت مجتمعة رؤية تقوم على إعادة تعريف عناصر الحل النهائي، لا على تطبيق القرارات الدولية القائمة. وكان واضحًا أن المقاربة اعتمدت منطق «الصفقة» السياسية- الاقتصادية؛ حيث تُطرح حوافز واستثمارات مقابل ترتيبات أمنية وتنازلات سياسية، مع تراجع واضح لمفهوم الأرض مقابل السلام بصيغته التقليدية.

اليوم.. وفي ظل حرب مدمّرة على غزة خلّفت آلاف الضحايا ودمارًا واسعًا للبنية التحتية، يعود النقاش حول من يرسم ملامح المرحلة المقبلة. هل ستُدار عملية الإعمار ضمن إطار أممي تقليدي تشارك فيه الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول إقليمية، أم ستُصاغ ترتيبات سياسية- أمنية جديدة بقيادة أمريكية شبه حصرية، تُهمِّش المنظمة الأممية عمليًا وإن لم تُقصِها رسميًا؟ الفارق بين المسارين ليس إجرائيًا؛ بل جوهري. الأمم المتحدة ليست مجرد منصة بيانات أو قرارات رمزية؛ هي المرجعية القانونية التي تُعرِّف الأرض بأنها «محتلة»، وتُبقي قضية اللاجئين ضمن إطار قانوني عبر "الأونروا"، وتمنح الفلسطينيين صفة قانونية في المحافل الدولية. تقليص هذا الدور يعني عمليًا تقليص المرجعية التي يستند إليها أي مطلب سياسي فلسطيني في المستقبل. في المقابل، يرى أنصار المقاربة الأمريكية أن الأمم المتحدة أثبتت عجزها المزمن عن فرض تنفيذ قراراتها، وأن مجلس الأمن بقي رهينة الفيتو المتكرر. ويجادلون بأن أي تسوية واقعية تحتاج إلى قوة ضغط فعلية، وهو ما تملكه واشنطن وحدها بحكم علاقتها الاستراتيجية بإسرائيل وقدرتها على حشد الدعم الإقليمي. من هذا المنظور، قد يُنظر إلى «مجلس سلام» تقوده الولايات المتحدة بوصفه محاولة لكسر الجمود الطويل، ولو خارج الأطر التقليدية.

لكن الإشكالية تكمن في الثمن السياسي والقانوني. هل يمكن إنتاج سلام مستدام إذا جرى الالتفاف على القرارات الدولية؟ وهل تتحول القضية من نزاع تحكمه قواعد القانون الدولي إلى ملف تفاوضي يخضع بالكامل لموازين القوى؟ التاريخ القريب يُظهر أن أي ترتيبات لا تعالج جذور الصراع (الاحتلال، والحدود، والقدس، واللاجئين، والسيادة) تتحول إلى هدنة مؤقتة لا أكثر. غزة تحديدًا تختصر هذا التحدي. إذ إن إعادة الإعمار، مهما بلغت كلفتها وحجم التعهدات المالية، لا يمكن أن تكون بديلًا عن أفق سياسي واضح. القطاع خضع لعدة جولات إعادة إعمار منذ 2008، لكن غياب تسوية شاملة أبقى دورة العنف مفتوحة. وأي إطار جديد؛ سواء سُمّي مجلسًا أو مبادرة أو تحالفًا، لن ينجح إذا اقتصر على إدارة الأزمة أمنيًا وإنسانيًا من دون معالجة سياسية حقيقية.

ثمّة بعدٌ آخر لا يقل أهمية: مكانة النظام الدولي نفسه؛ فمنذ نهاية الحرب الباردة، شكّلت الأمم المتحدة- رغم ضعفها- رمزًا لفكرة التعددية واحتكام النزاعات إلى قواعد مشتركة. وتهميشها في واحدة من أقدم وأعقد القضايا الدولية، يبعث برسالة تتجاوز حدود فلسطين: رسالة مفادها أن الشرعية يمكن تجاوزها إذا توفّر ميزان قوة ملائم. وفي عالم يشهد تصاعدًا في النزاعات والتنافس بين القوى الكبرى، قد يكون لذلك تداعيات أوسع من حدود غزة. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل واقع أن الأمم المتحدة وحدها لم تستطع فرض حل، وأن مسار المفاوضات تعثّر مرارًا منذ كامب ديفيد عام 2000 مرورًا بخارطة الطريق 2003، ومؤتمر أنابوليس 2007. هذا الفشل المتراكم يفتح الباب أمام محاولات جديدة، بعضها قد يكون خارج الصيغة التقليدية. لكن التجديد لا يعني إلغاء الأسس القانونية؛ بل ربما إعادة دمجها في إطار أكثر فاعلية.

الاختبار الحقيقي لأي «مجلس سلام» لن يكون في عنوانه أو في اسم من يرأسه؛ بل في مضامينه: هل يعترف صراحة بحدود 1967 كأساس للتفاوض؟ هل يلتزم بمرجعية قرارات الأمم المتحدة؟ هل يقدّم تصورًا واضحًا لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة؟ أم أنه يكتفي بترتيبات أمنية وإدارية مؤقتة تُدار تحت سقف السيطرة الإسرائيلية الفعلية؟

غزة، الجريحة مرة أخرى، ليست بحاجة إلى إدارة جديدة للأزمة، بقدر ما تحتاج إلى حل جذري يُنهي دوامة الحرب المتكررة. وأي مسار يتجاهل أن القضية الفلسطينية بقيت، على مدى 7 عقود، قضية شرعية دولية قبل أن تكون ملفًا تفاوضيًا، يخاطر بإنتاج تسوية هشة لا تصمد أمام اختبار الزمن.

بين منطق الصفقة ومنطق القانون، يقف الشرق الأوسط على مفترق طرق. قد تنجح القوى الكبرى في فرض ترتيبات مؤقتة، لكنَّ السلام الدائم لا يُبنى على تهميش المرجعيات؛ بل على الجمع بين الواقعية السياسية والعدالة القانونية. وفي هذا التوازن الدقيق، يتحدد ليس فقط مصير غزة؛ بل أيضًا مستقبل فكرة النظام الدولي القائم على القواعد.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z