حين يكون الاستثمار إنسانًا لا رقمًا

 

 

 

سلطان بن ناصر القاسمي

حين يُذكر الاستثمار، يتبادر إلى الذهن المال، والأسواق، والأرقام التي تُقاس بها الأرباح والخسائر، غير أن هذا التصور يظل قاصرًا إذا ما قورن بأعمق أنواع الاستثمار وأكثرها بقاءً، وهو الاستثمار في الأبناء. فهو استثمار لا يخضع لتقلبات السوق، ولا تُقلق قيمته الأزمات، ولا تنتهي ثماره بانتهاء العمر، بل يمتد أثره في الحياة وبعدها.

وقد عبّر الحديث النبوي الشريف عن هذا المعنى بوضوح حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له" رواه مسلم. في هذا الحديث تتجلى قيمة الابن الصالح بوصفه استمرارًا للأثر، وامتدادًا للعمل الصالح، ودليلًا حيًا على نجاح التربية قبل أي إنجاز آخر.

فالإنسان بطبيعته يسعى لبناء بيت، أو تأسيس عمل، أو جمع مال، وكلها مساعٍ مشروعة، لكنها تظل عرضة للتغير والزوال، بينما يبقى الابن الصالح الواعي شاهدًا على القيم التي غُرست فيه، ومرآة للتربية التي تلقاها داخل أسرته. ومن هنا فإن الاستثمار في الأبناء ليس ترفًا تربويًا يقوم به بعض الآباء، بل مسؤولية أخلاقية جسيمة، وواجب إنساني لا يقبل التأجيل أو التهاون.

وللحديث عن نجاح هذا الاستثمار، لا بد من التوقف عند أهم أدواته، وهو الوقت. فالوقت الذي يخصصه رب الأسرة للجلوس مع أبنائه، والإصغاء لحديثهم، وفهم مشاعرهم، ومشاركتهم اهتماماتهم، هو وقت يُبنى فيه جسر الثقة، جسر لا تهدمه السنوات ولا تزعزعه متغيرات الزمن. فالطفل الذي يُنصت له اليوم، ويُشعر بقيمته داخل أسرته، لن يبحث غدًا عن بديل يمنحه هذا الشعور خارج محيطه الآمن.

ومع الوقت تظهر حاجة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن يكون البيت مساحة أمان عاطفي، لا مجرد مكان سكن. فالكلمة الهادئة، والاحتواء عند الخطأ، والعدل بين الأبناء، والاهتمام بتفاصيل يومهم الصغيرة، كلها رسائل تربوية عميقة. وفي زمن تتسع فيه الشاشات وتتنافس الأصوات على انتباه الطفل، يصبح حضور الوالدين الحقيقي هو الحصن الأول؛ حضورٌ يوجّه استخدام التقنية ولا يشيطنها، يضع حدودًا واضحة، ويشرح الأسباب، ويمنح بدائل واقعية من نشاطٍ وقراءةٍ وحوار.

وكثير من أولياء الأمور يفرحون بتفوق أبنائهم الدراسي، وهو أمر محمود، غير أن التفوق الحقيقي يظل تفوق القيم قبل تفوق الدرجات. فما قيمة الشهادات إن غاب الصدق؟ وما نفع الذكاء إن انعدم الضمير؟ إن غرس المبادئ، وتعليم الاحترام، وتحمل المسؤولية، والرحمة بالآخرين، هو الاستثمار الذي يصنع إنسانًا متوازنًا، قبل أن يصنع ناجحًا في نظر المجتمع.

كما أن التعليم لا يقتصر على الكتب والمناهج، بل يتجاوز ذلك إلى بناء العقل والوعي. فالتعليم الحقيقي لا يهدف إلى الحفظ بقدر ما يهدف إلى تنمية التفكير، وتعليم العقل كيف يفهم ويحلل ويستنتج. فالمعرفة التي تقوم على الفهم تدوم، أما المعرفة التي تقوم على الحفظ وحده فتزول مع مرور الزمن. ويشمل التعليم كذلك منح الأبناء مساحة للاختيار لا الاكتفاء بالتلقين، ليعتادوا التفكير واتخاذ القرار، وتحمل نتائجه، بدل الاعتماد على إجابات جاهزة لا تبني شخصية ولا تصنع وعيًا.

ومن الوسائل العملية التي تعين على ذلك أن تُخصص الأسرة وقتًا ثابتًا أسبوعيًا للجلوس دون هواتف، يُسأل فيه الأبناء عن أحلامهم ومخاوفهم وما يفرحهم، وأن تُحوَّل المواقف اليومية إلى دروس لطيفة: موقف في الطريق، كلمة سمعوها، أو خطأ وقعوا فيه. كما أن إشراك الأبناء في أعمال الخير والزيارة وصلة الرحم يُنمّي فيهم الرحمة والانتماء، ويجعل القيم ممارسةً لا شعارات.

ولا يُغفل في هذا المسار اختيار الرفقة الصالحة للأبناء، ومتابعة دوائرهم المدرسية والاجتماعية بلطف، فالصديق قد يرفع القيم أو يبددها. والحوار الدائم يسبق العلاج دائمًا.

ومن أهم ما ينبغي ترسيخه في نفوس الأبناء، تعليم تحمّل النتائج لا الهروب منها. فالنضج الحقيقي يبدأ حين يدرك الإنسان أن لكل اختيار تبعات، وأن مواجهة النتائج بشجاعة وصدق جزء أصيل من عملية التعلم، لا عقوبة عليها. فالابن الذي يتعلم كيف يفكر، وكيف يختار، وكيف يتحمل نتائج قراراته، يكون أقدر على مواجهة الحياة بثبات، حتى وإن تعثر في بعض محطاتها.

ولا تكتمل التربية دون القدوة، فالأبناء لا يسمعوننا بقدر ما يراقبوننا، ولا شيء يهدم التربية مثل التناقض بين القول والفعل. حين نكون صادقين، يتعلمون الصدق، وحين نتحلى بالحكمة والهدوء، تنعكس هذه الصفات في سلوكهم دون حاجة إلى توجيه مباشر أو أوامر متكررة.

وقد يتساءل البعض عن موعد ظهور نتائج هذا الاستثمار، والحقيقة أن ثماره لا تُقطف على عجل، ولا تظهر دفعة واحدة، بل تتجلى في موقف كريم، أو خُلُق رفيع، أو دعاء صادق يخرج من قلب الابن في غياب والديه. هي ثمار تحتاج صبرًا، لكن أثرها عميق، وطعمها لا يُقارن بشيء.

وخلاصة القول.. إنَّ من يستثمر في أبنائه اليوم، يحصد الطمأنينة غدًا، ويترك أثرًا طيبًا يمتد بعد عمره. فالمال يُورث، أما القيم فتُخلّد، والأبناء الصالحون هم أعظم ما يتركه الإنسان خلفه.

الأكثر قراءة

z