الخطاب الاجتماعي أولوية وطنية

 

خالد الكندي

 

في لقائه مع رئيس وأعضاء مكتب مجلس الدولة، تفضل حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظم -أيده الله- وأسدى توجيهات سامية بالتفاعل مع قضايا المُجتمع وتحدياته، وإيصال الرسائل الصحيحة المُناسبة بشأن القضايا المطروحة في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أنَّ التعامل مع القضايا الوطنية مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الدولة.

لم يكن هذا خبرًا عابرًا يتوسط عناوين المشهد الإعلامي المحلي ثم يمضي، بل كان علامة فارقة في ميزان الوعي، فإنَّ نزول المعنى من علو الهرم السياسي يعني صعودًا في مستوى الوعي الرسمي بأهمية الكلمة وأثرها في تشكيل المزاج العام وصناعة الثقة وصيانة الأمن الوطني، فهو توجيه عالٍ في منزلته رفيع في مقصده وميزان للفهم وقاعدة للاشتغال الوطني لا مجرد شعار عابر.

ليس هذا التأكيد على أهمية التفاعل مع المجتمع والنظر إلى تحدياته بعين المسؤولية؛ توجيهًا يسير في اتجاه تقني لفنون الاتصال أو إجرائي في إدارة الخطاب الرسمي في جانبه الاجتماعي وحسب، إنما هو إعلان لفلسفة حكم وإشهار لمعنى وطبيعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها، فهي علاقة رعاية أكثر من كونها رقابة واحتواء لا إقصاء وإصغاء لا استعلاء، هي صورة لعلاقة أبوية من سلطان يُراقب الاحتياجات ويرصد التطلعات ويجمع أدوات القرار لتشكيل صورة متجانسة في أذهان المتلقين.

ولئن كان ذلك يمثل جانبًا تنظيريًا، فإن الجانب العملي قد عُقد في أحد أشكاله بانطلاق النسخة الرابعة من ملتقى "معا نتقدم 2026"؛ حيث كانت الأذن الرسمية مستمعة لتطلعات المواطن في رؤيته لـ"عُمان 2040" وخطتها الخمسية وصناعاتها المستقبلية واقتصادها المحلي والأدوار المحورية التي تنعقد الآمال على كونها مفاتيح التقدم لهذا الوطن الأبي.

إنَّ اهتمام أعلى سلطة في الدولة بمسألة الخطاب الاجتماعي وضرورة التفاعل معه بإيجابية؛ يعني أن الكلمة باتت شريكة في التنمية الوطنية وبأن العقول المنفتحة على مقومات النجاح وأدوات التفوق ومفاتيح التقدم مرحب بها، أي أن الوعي الجمعي أصبح جزءًا من عدة الدولة في مسيرة البناء، وكما أن الكلام في غير موضعه والحديث في غير محله قد يفسد المقاصد ويشوه المآلات المستهدفة كما يفسد زيادة الملح الطعام، فإنَّ الصمت الجامد قد يفوت فرص تقدم المعنى وتصحيحه وتطوره وحراكه نحو تحسين الأداء وتجويده، وبين هذين المتضادين تستل حكمة الكلام ووقار الصمت، وفقًا لميزان المقاصد الوطنية وبحسب ما يقتضيه السياق العام.

هذه الرؤية السامية -كأعلى قمة في الوطن- تؤكد بوضوح أنَّ الدولة التي لا تحسن مخاطبة شعبها، إنما تفتح المجال لغيرها بأن يتكفل بالتأويل والتضخيم وربما بناء السرديات البديلة والغرضية التي قد تتعارض مع أولويات التنمية المستدامة أو تربك تقدمها، وبأنَّ التواصل التفاعلي والتبادل المعرفي بين جميع العناصر الوطنية مطلب تقدمي وصالح أممي وواجب لا يقوم الواجب إلا به.

هنا يبرز دور المسؤول الذي يتوجه إليه الخطاب السامي قبل غيره، بأن التغيب عن الساحات الإعلامية أو الانسحاب من المشهد الاجتماعي عمومًا لن يكون حيادًا، وأن تجاوز الفراغات لن تكون حكمة؛ بل كل ذلك يعد مخاطرة تفتح المجال للآخرين بإساءة تفسير المواقف وإعادة بنائها على نحو غرضي، لهذا فإن سدّ الفجوات وشرح المواقف وتبيين المقاصد ليس ترفًا إعلاميًا بقدر ما هو واجبٌ وظيفي، ومكوّنٌ من مكوّنات الأداء والإدارة الرشيدة للمواقف والقضايا.

كذلك فإنَّ المواطن شريك في بناء هذا الوعي التواصلي، والتفاعل الذي يتعين فيه أن يكون حارسًا أمينًا على المعنى، متزنًا في تحرير نقده من الانفعال، وينطلق من إيمان صادق بقيمة الرسالة الوطنية، بعيدًا عن المزايدات الرخيصة والإثارة اللحظية والتهويل العبثي، فليس الضجيج والصخب رهان على وعي أو فهم لاحتياجات التنمية الوطنية.

ولن يكون هذا التوجيه السامي عابرًا أو ظرفيًا بقدر ما هو تأسيس لمرحلة يكون فيها الوعي المجتمعي جزءًا من الفلسفة العامة لقطار التنمية، فالكلمة مسؤولية والتفاعل مع الكلمة وإدارة المعاني كما تدار المشاريع تخطيطًا وتفسيرًا وتواصلًا وتفهمًا ومتابعةً وتصحيحاً للمسار؛ هي في حد ذاتها مسؤولية أخرى.

إنَّ بناء جسور الثقة بين الدولة والمجتمع؛ إنما هو تمكين صادق لجميع الطاقات الوطنية ودعوة صريحة وصادقة للمُشاركة الجمعية في البناء، لتغدو التنمية سلوكًا عامًا يحرص الجميع على سلامته واستقامة مساره.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z