حماية الطفل بين الحق والمعونة

 

 

 

خالد بن سالم الغساني

 

أعاد تصريح معالي وزير الطاقة والمعادن رئيس مجلس إدارة صندوق الحماية الاجتماعية، فتح نقاش منفعة الطفل كامتداد مُباشر للجدل طويل النفس، الذي رافق تعديل منفعة كبار السن، والذي على أساسه تم تعديل هذه المنفعة، حيث انتقلت منفعة كبار السن، بعد عامين ونصف العام تقريبًا من إقرار قانون الحماية الاجتماعية، من مبدأ الشمول العمري المُطلق، إلى نظام مشروط بالدخل، الأمر الذي أثار نقاشًا واسعًا حول العدالة والاستدامة المالية للمنظومة بأكملها.

وما يُثير القلق الآن هو أن يُدار نقاش حماية الطفل في إطار ذات المنطق الذي خلط بين الحماية بوصفها حقًا إنسانيًا غير مشروط والمعونة بوصفها تدخلًا مشروطًا بالحاجة. فالطفل، شأنه شأن كبير السن وذي الإعاقة، في كل أنظمة الحماية الاجتماعية في العالم، لا يختزل أمر حمايته في وضعه أو وضع أسرته الاقتصادي، ومن ناحية ثانية فإنِّه لا يجوز تحميل الطفل تبعات دخل والديه. لأنَّ الحماية تُمنح له لأنَّه طفل، لا لأنَّ أسرته فقيرة؛ فالطفولة مرحلة حياتية حساسة تتطلب دعمًا غير مشروط لضمان التعليم والصحة والتغذية والنمو السليم، وأي ربط بالدخل يعرض هذا الحق الأساسي للتقييد المستقبلي.

تجربة كبار السن تُظهر أن المنطق الاستهدافي، مهما بدا عادلًا في البداية، إلّا أنه يفتح الباب لمراجعات متكررة واقتطاعات لاحقة تحت ضغط الموارد المحدودة أو المقارنات بين الفئات الضعيفة. فبدلًا من سؤال كيف نضمن الحق للجميع؟ يصبح السؤال هو من يستحق أكثر؟، وينتهي الأمر بتضييق المظلة. وهذا ما حدث فعليًا، حيث تحولت منفعة كبار السن من حق عمري شامل إلى استحقاق مشروط، مما أدى إلى استبعاد شريحة من كبار السن رغم حاجتهم الفعلية للدعم في مرحلة الشيخوخة.

الخطر الأكبر في المنطق نفسه؛ يتلخص في أنَّه إذا عُرّفت حماية الطفل منذ البداية كبرنامج قابل للتقييد والتعديل، فستخضع لنفس المسار. أما إذا ثبتت كالتزام أصيل من الدولة تجاه فئة عمرية لا تملك أدوات الدفاع عن نفسها، فإنَّ النقاش يتحول إلى كيفية الاستدامة والتوسع، لا الاستبعاد. فالطفل لا يملك صوتًا سياسيًا أو اقتصاديًا يُدافع به عن حقوقه، وبالتالي يجب أن يكون الالتزام الوطني به غير قابل للمساومة أو التقييد المالي المؤقت.

الثقافة العامة تميل عند أول اختبار إلى مساءلة الشمول، لماذا يأخذ من لا يحتاج؟ بدلًا من مساءلة العدالة الكُلية والاستدامة طويلة الأمد. وهذا المنطق، إن لم يُفكك جيدًا، سيُعاد إنتاجه مع الطفل؛ لماذا هذا الطفل وليس ذاك؟، وكأن العدالة لا تتحقق إلا بمُقارنة الفئات الضعيفة بعضها ببعض، لا ببناء نظام يحمي الجميع. فالمقارنة بين الطفل والشيخ أو ذي الإعاقة لا تُنتج عدالة، بل تُعمق الشعور بالتنافس على موارد محدودة، بينما الحل يكمن في توسيع الاستثمار في الحماية الاجتماعية ككل.

السؤال الحقيقي الآن، وقبل أي إجراء، هو: هل تتعامل الدولة مع الطفل بوصفه صاحب حق في الحماية، أم موضوع سياسة اجتماعية قابلة للتشديد والتخفيف حسب الظروف المالية؟ الإجابة تُحدد ما إذا كنَّا نبني نظام حماية مُتماسك، أم نعيد نسخة جديدة من الجدل نفسه. وفي ظل التوجهات الحالية التي ربطت بعض المنافع بالدخل، يصبح هذا السؤال أكثر إلحاحًا لضمان عدم تكرار السيناريو نفسه مع فئة الأطفال.

إن أي مُراجعة لمنافع الصندوق، بما فيها حماية الطفل، من وجهة نظري، ينبغي أن تزيد من مقدار تلك الحماية وتوسع نطاقها، إن كنَّا مقتنعين باستحقاق هذه الفئة. والأولى، إذا كانت هناك فئات أخرى مستحقة، أن تُضاف كفئة جديدة إلى النظام، لا أن يتم توسيعها على حساب تضييق أو إخراج فئة سبق أن شملها القانون. فتحويل الحق إلى معونة مشروطة هو أسرع طريق لإفراغ السياسات من معناها، مهما حسُنت النوايا.

منظومة الحماية الاجتماعية ينبغي أن تكون تعبيرًا عن عقد اجتماعي يحمي الجميع دون تمييز أو تقييد، لأنَّ ماضي الأمة وعزتها يستوجب تقدير من أفنوا جزءًا كبيرًا من حياتهم في سبيل رفعتها وازدهار شأنها، كما إن مستقبل الأمة يبدأ بحماية أطفالها دون شروط.

الأكثر قراءة

z