الفن في عُمان

 

آية السيابي **

كيف تتشكل هوية المدن اليوم؟ ولنقرب الفكرة أكثر، لماذا مدينة فلورنسا تُعد من أغنى المناطق السياحية ثقافيا وتاريخيا؟ السبب كما يبدو أبسط من فك شيفرة معقدة، وهو أنَّ لها هوية واضحة المعالم، فالزائر أكثر ما يدهشه هو طرقاتها ومساراتها التي تبدو كأنها لوحة مرسومة بيد فنان ماهر جسّد نهضة حضارية تضع السائح مباشرة في حضرة الفن ولذة ما ينطوي خلف ثقافته. كما هو الحال مع باريس التي تمتزج فيها الأكاديميات الكلاسيكية والحداثية. هذه المدن تأسست على اعتبار أن الفن والفلسفة والجمال عناصر بنيوية قائمة على الإنسان الذي يفكّر ويخلق ويبتكر. وأصبحت وجهات سياحية نشطة. فلا شيء يقرب المدينة من الإنسان كالفن بكل لغاته. وهو عضو رئيس في قيام الجسد الثقافي النابض.

أما في مسقط، فقد توالى انسحاب معارض الفن التشكيلي. بدءا من محل الفنان مرتضى اللواتيا في مطرح، الذي كان مقصد السياح من كل مكان. ثم "بيت مزنة" الجميل للفنانة مزنة آل سعيد. كان البيت يحمل طابعاً عربياً مميزاً وجاذباً. وفقدنا مؤخرا أيضا معلما فنيا مهما، وهو رواق عالية، الذي يعد وجهة سياحية يقصدها السائح للتعرف على هوية الفنان العُماني. يعد الرواق أحد أكبر صالات العرض في الوطن العربي. وما جعله استثناء في المشهد الفني هو أنه أضخم مساحة خُصصت لفنان واحد. في الحقيقة، مؤلم جدا إغلاق المعارض الفنية. كوجهات حق للعُماني أن يتباهى بوجودها في مدينة تتطلع إلى أن تتصدر القوائم السياحية في العالم. كانت هذه المعارض نوافذ تحيل السائح بيسر إلى هوية المباني العُمانية، ووجه المرأة العُمانية من خلال حضورها الفني بهذا المستوى. وحين يُغلق معرض رسم بعد أن حقق حضورا دوليا رفيعا، فإننا نبكي ستارا أسدل على الذاكرة الفنية لنا. كخيط كان يربط المبدعين بجمهور الذائقة الفنية. فالفن التشكيلي ليس ترفا فائضا، ولا هواية تفرض نخبويتها على طبقة بعينها دون الآخرين. ولكنه ثقافة ووعي. يتشكّل لدى زواره بدءا من طلبة المدارس الذين قد ينبت في نفوس أحدهم بذور الفن باكرا، ومرورا بتحفيز الفنان الذي لا يملك أن يستقل بصالته ويكتفي أن يتوارى ضمن نخبة من الفنانين العُمانيين الذين تصدروا المشهد الفني دولياً. فعُمان ثرية بفنانين محترفين ومتحققين أمثال: أنور سونيا، حفصة التميمي، مريم الزدجالي، نايلة المعمري، نعيمة الميمني، رابحة محمود، مريم الوهيبي، فخرية اليحيائي، حليمة البلوشي، عالية الفارسي، حسين عبيد، جمعة الحارثي، خميس البلوشي، بدور الريامي، سعيد العلوي، يوسف النحوي، أنعام اللواتيا.. وغيرهم الكثيرين ممن لا يتسع المقال لذكرهم جميعا. ووجود مراسم ومعارض فنية بهذه الجودة من الأعمال، هو استثمار حضاري وسياحي كبير. لأنَّ اللوحة تعبر عن سرد هوياتي يشير إلى حقبة زمنية معينة. وهذا في حد ذاته تاريخ سوف تقرأه أجيال قادمة. كما نقرأ اليوم ما تركته الحضارات البعيدة في فنونها وآثارها. ولولا ذلك الإرث، لما نشأت فكرة المتاحف أصلاً. رفقا بالفنانين العُمانيين، نحاتين، ورسامين.. وبكل يد صاغت فناً في هذا البلد الثري. فهؤلاء طاقات المجتمع الثقافي الناعمة. التي تصل العُمانيين بالعالم عبر لوحاتهم. ومن هنا، أرى أننا في حاجة إلى قانون يحمي هذه المشاريع من الشلل الاقتصادي. ويخفف عليها عبء البيروقراطية التي تستهلك وقت الفنان وجهده بما لا يعود بالنفع. قد نجد أيضاً بدائل مستدامة للمعارض التي أغلقت. كل ذلك، سعياً لبناء مشهد حضاري متزن يليق بتاريخ عُمان وثقافتها الممتدة.

** كاتبة وروائية عُمانية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z