الشر لا ينتصر.. بل نسمح له أن يعيش بيننا

 

 

 

فاطمة هبيس الكثيرية

هل لاحظت يومًا أننا نعرف ما هو صحيح وما هو خطأ، ومع ذلك نختار الصمت؟ هل تساءلت لماذا نتغاضى عن الظلم، رغم أنه يحدث أمام أعيننا، وكأننا لا نراه؟ يبدو أن الشر لا يحتاج بالضرورة إلى أناس أشرار، بل يحتاج فقط إلى أن نتركه يمر، أن نؤجل، أن نتراجع، أن نختبئ وراء راحتنا، وأن نختار الطريق الأسهل بدل المبدأ الصحيح.

الإنسان الطيب يتعرض لإغراءات صغيرة كل يوم. نتغاضى عن ظلم نراه ونقول: "ليست مسؤوليتي". نؤجل قول الحقيقة بحجة: "الوقت غير مناسب". نختار الراحة على حساب المبادئ، معتقدين أن شيئًا لن يحدث إذا تركناه. كل هذه المبررات تحوّل الصالح إلى شاهد صامت، وتضعف أثره. أخطر ما في الشر ليس فعله، بل تطبيع وجوده بيننا، حتى نصبح جزءًا من المشهد دون أن نرفع أيدينا للضرر.

هل تساءلت يومًا عن حجم الشر الذي ينمو بسبب صمتنا اليومي؟ كل مرة نغض الطرف عن ظلم صغير، عن كلمة جارحة، عن ظلم في العمل أو في المجتمع، نحن بذلك نفتح الباب لشر أكبر. الشر يبدأ بالتدريج، بخطوات صغيرة، لكن الصمت يسمح له بالنمو، حتى يملأ كل مساحة حولنا. كل مرة نؤجل فعل الخير أو قول الحقيقة، نكون قد أضعفنا تأثيرنا، وسمحنا للظلم بالاستمرار دون مقاومة.

نحن نتحدث كثيرًا عن القيم والأخلاق، نشاركها على وسائل التواصل، نشعر بالرضا عن أنفسنا، لكن القليل منا يتحمل الألم الذي يرافق التمسك بها. المفارقة الأكثر إيلامًا: نحب الأخلاق كشعارات، ونكره الأخلاق كأفعال. نتغاضى عن الحق لأسباب مريحة، ثم نتساءل لماذا يستمر الظلم.

الالتزام بالمبادئ يتطلب شجاعة يومية. شجاعة ترفض المبررات، وتقف أمام رغبة النفس في الراحة، وتختار الحق حتى عندما يكون صعبًا. الجمع بين العيش بسلام والعيش بعدل نادر جدًا، ومؤلم أحيانًا، لكنه الخيار الذي يصنع الفرق. كل موقف صغير يمكن أن يكون نقطة تحوّل: كلمة واحدة في وقتها، موقف شجاع، تصرف صالح—هذه الأشياء البسيطة هي ما يحمي المجتمع من الانحراف والظلم.

الإنسان الطيب معرض دائمًا لاختبارات صغيرة في حياته. نتساءل أحيانًا: هل أصنع مشكلة لنفسي إذا تدخّلت؟ هل أجرؤ على قول الحقيقة رغم أن الآخرين قد يغضبون مني؟ هل أتحدث عن ظلم رأيته في مكان عملي أو في المجتمع، أم أظل صامتًا؟ كل هذه القرارات اليومية، مهما بدت صغيرة، تشكل خط الدفاع الأول أمام الشر. إذا غاب صوت الحق في اللحظات الصغيرة، سينهار في النهاية كل ما هو عادل.

تخيل معي موقفًا يوميًا: زميلك يتعرض للظلم، أو ترى تحايلًا صغيرًا في عملك أو في محيطك، أو حتى كلمة جارحة تنتشر بلا سبب. الصمت في مثل هذه اللحظات يشبه إضاءة شمعة صغيرة على طريق مظلم، لكن بدل أن نحاول إنارة الطريق بأكمله، نكتفي بالوقوف جانبًا، مبررين أنفسنا بأن "ليس دوري". هذا الصمت، مهما بدا غير ضار، هو ما يترك الشر يزدهر، ويجعل الحق ضعيفًا، ويجعل المجتمع يعتاد على الظلم.

كل مرة نصمت، كل مرة نؤجل قول الحقيقة، نحن بذلك نفتح الباب للشر ليكبر بيننا. الشر لا ينتصر بسبب أفعاله وحدها، بل بسبب من يعرف الحق ويختار الصمت. كل اختيار صغير نقوم به، كل كلمة نتحدث بها، كل موقف نختار فيه المبادئ على راحتنا، يشكل مستقبلنا.

وفي النهاية، السؤال الذي أتركه لكل واحد منا: هل نريد عالمًا عادلًا أم حياة مريحة؟ هل نقف أمام الظلم اليوم، أم نغض الطرف كما اعتدنا؟ القوة الحقيقية ليست في القول بأننا أشخاص طيبون، بل في أن نتصرف وفقًا لذلك كل يوم، مهما كان صعبًا. باختياراتنا اليومية، نؤثر في الواقع من حولنا.

نحن من نصنع عالمنا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z