سعيد المالكي
عندما نتأمل المُجتمعات الأكثر أمانًا في العالم، غالبًا ما نميل إلى الاعتقاد بأنَّ قوة الشرطة، وانتشار أجهزة المُراقبة، وصرامة القوانين هي السبب الأول في انخفاض معدلات الجريمة. لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون هي أن القانون يردع بالفعل، لكنه لا يمنع الجريمة من جذورها، بينما الرغيف يمنع قبل أن تقع الحاجة إلى الردع، فالأمن ليس مجرد خوف من العقاب؛ بل شعور داخلي بأنَّ المرء لا يحتاج إلى ارتكاب الجريمة أصلًا.
من ينتج الأمان؟ الدول بقوتها الأمنية أم المجتمع بعدالته الاجتماعية؟
لا شك أنَّ من واجب الدولة تحقيق الأمن والأمان الداخليين، غير أن أدوات كلٍّ منهما تختلف. تستطيع الدول أن تفرض الأمن بقوة القانون والأجهزة الأمنية، وهو عامل وعنصر من عناصر تحقيق الأمان لكن ليس الوحيد؛ فهي لا تستطيع أن تفرض الأمان بالقوة نفسها، لأنه لا يُنفذ بأوامر، بل هو أعلى مرتبة من الأمن؛ لأنه لا يحمي الأجساد والحدود فقط، بل يحمي كرامة النَّاس وأرزاقهم ولقمة عيشهم، وينمو في المجتمع. وعلى الدولة أن تُوجِد شروطه ليصنعه المجتمع من تلقاء نفسه.
ولا يمكن للمجتمع أن ينتج الأمان ما لم توفر له الدولة عدالة معيشية، وفرص عمل، وحماية اجتماعية، وأبواب رزق مفتوحة للجميع. الأمان هو نتاج سلوك الناس وقناعاتهم وشعورهم بعدالة العيش، عندها فقط يصبح الأمن الذي تفرضه الحكومة أمانًا يعيشه الناس، لا مجرد إجراءات مكتوبة في القوانين.
إن القول الخالد في حق سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حكمتَ فعدلتَ فأمنتَ فنمتَ"، هو برهانٌ تاريخيٌّ على أنَّ الأمان يمكن أن يتحقق حتى حين تكون الإمكانات الأمنية محدودة. فلم تكن الدولة يومها تملك جيوشًا جرّارة تحرس كل مدينة ولا كاميرات مراقبة تراقب كل زاوية، ومع ذلك بلغ الأمان درجة أن المرأة كانت تسافر وحدها من الحيرة إلى صنعاء لا تخشى إلا الله. لم يتحقق ذلك بقوة السلاح، بل بقوة العدل. فحين ساد العدل، واستقامت موارد الناس، واختفت المظالم، لم يعد السلب والقتل خيارًا منطقيًا للبشر. هكذا يثبت التاريخ أنَّ الأمان يُبنى بالعيش الكريم قبل أن يُحمى بالسيوف.
دور جهات إنفاذ القانون، ضرورة أمنية، لكن الأمان لا يتحقق بها وحدها. ولا يمكن لأحد إنكار أهمية المؤسسات الأمنية؛ فالشرطة تؤدي دورًا محوريًا في حفظ الأمن والنظام، ورد الحقوق، وتتبع المجرمين. لكنها، بحكم طبيعتها غالبًا ما تأتي بعد وقوع الجريمة لا قبلها، خاصة في الجرائم التي تطال عامة الناس. فإن كانت الشرطة تلاحق المعتدي بعد وقوع الفعل، فإنَّ المجتمع، بمنظومته الأخلاقية والمعيشية، قادر على منع الفعل قبل حدوثه.
ولكن، الحماية المباشرة والوقائية غالبًا ما تكون مخصصة لشخصيات مُعينة أو مؤسسات كبيرة، بينما يبقى المواطن العادي معتمدًا أولاً، على سلوك المجتمع المحيط به، وليس على وجود الحراسة. فليس من الممكن ولا المنطقي أن ترافق سيارات الشرطة كل مواطن في حياته اليومية وحين يذهب إلى عمله ويعود إلى بيته. ولا يقف على باب كل منزل حارس شخصي، ولا يستطيع المواطن العادي أن يعين حراسًا يحرسون ممتلكاته وأطفاله وأسرته على مدار الساعة.
لا يمكن أن تبنى حماية المجتمعات على فكرة "الحراسة الفردية"، بل على منظومة تجعل الجريمة نفسها خيارًا غير مطروح في وعي الإنسان العادي.
لذلك، فإن الأمان الذي يعتمد بالكامل على الوجود الأمني أمان هشّ وقابل للانهيار عند أول خلل في المنظومة أو الأزمة الاقتصادية. وإن كان وجود الشرطة يوفر "اطمئنانًا نفسيًا"، فإن الواقع الفعلي للأمان يصنعه المجتمع نفسه.
وهناك من يسأل: لماذا تنخفض معدلات الجريمة في بعض الدول أكثر من غيرها؟
تُعَلِل بعض النظريات انخفاض معدلات الجريمة بالخوف من العقاب، وقلة عدد السكان، والوازع الديني والأخلاقي، وقوة القانون.
غير أن التجارب الواقعية أثبتت أن العامل الأهم هو الأمان المالي والمعيشي. فالفقر والجوع هما الشرارة الكبرى للفساد والسرقة والقتل. ولم يسبق للبشرية أن سجلت ثورة واحدة كانت دوافعها وفرة الرزق… بل على العكس: الجوع هو الذي يشعل كل شيء.
ولقد لخّص القرآن الكريم هذه العلاقة في كلمات معدودة: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (قريش: 3-4).
لم يقُل: الذي أخاف السارقين، أو الذي أحكم القبضة الأمنية، بل قال: أطعمهم أولاً، ثم آمنهم. فإذا زال الجوع، زال الخوف. لم يطرح الإسلام الأمان باعتباره "وظيفة شرطية"، بل نتيجة عدالة اجتماعية، فتقديم الإطعام على الأمن يشير إلى سببية اقتصادية مباشرة.
تتكرر العلاقة نفسها في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "مَن أصبحَ منكم آمنًا في سربِهِ، مُعافًى في جسدِهِ عندَهُ قوتُ يومِهِ، فَكَأنَّما حيزت لَهُ الدُّنيا".
إن الأمان لا يتحقق بمجرد وجود مؤسسات أمنية، بل نتيجة منظومة قيم وتربية وعدالة اجتماعية.
حين يشعر المواطن: أن حاجاته الأساسية مكفولة، وأنه لا يواجه جوعًا مهينًا، ولا يرى ثروات بلاده تتكدس عند قلة من الناس، ولا يظلم في فرص العمل والرزق.. عندئذ لا يفكر في السرقة، ولا يجد مبررًا للقتل من أجل المال؛ فالإنسان "الشبعان" ينام على وسادة نظيفة النفس، بينما "الجائع" يقف أمام خيارين: الجريمة أو أن يحترق داخليًا.
ولهذا السبب ترتفع نسب الجريمة بشكل كبير في دول تمتلك أجهزة أمنية قوية جدًا، لكنها تعاني فجوة معيشية واسعة. وفي المقابل، نرى دولاً بقدرات أمنية محدودة، لكنها آمنة لأن مجتمعها مطمئن اقتصاديًا.
ولا يخلو أي مجتمع بشري مهما بلغ من التطور أو الرفاه من وجود السرقات أو القتل أو غيرها من الانحرافات الإنسانية، خاصة في البلدان ذات التعداد السكاني الكبير والأوضاع المعيشية الصعبة. ولا يردع الإنسان عن ذلك، إلّا ضميره وتربيته ودينه وأخلاقه.
لكن المقلق هو ازدياد أخبار السرقات والاعتداءات في مجتمعنا المحلي الذي يعد من أقل المجتمعات عددًا في العالم، وأكثرها محافظة في قيمه الاجتماعية.
إن ظهور جرائم سرقة واعتداءات وقتل مرتبطة بالمال بشكل متزايد ناقوس خطر حقيقي، يستدعي البحث في أسبابها العميقة، وأهمها: الضغوط المعيشية، وتآكل الطبقة المتوسطة، وشعور البعض بأن "الفرص ليست للجميع"، والتضييق على مصادر الدخل.
فإذا تآكل الاقتصاد، تآكل الأمان، وحين يتآكل الأمان يختفي الأمن؛ ذلك يعني أن الخلل إن بدأ، فلن يستثني أحدًا، مهما بدا بعيدًا عنه اليوم.
كيف ننتقل من الأمن إلى الأمان؟
ليس صحيحًا أن قوة الدول وحدها هي التي تمنع الجريمة، الأصح أن الدول الحكيمة هي التي تمنع أسباب الجريمة قبل حدوثها. وصيتي إن أردنا مجتمعًا أكثر أمانًا:
لصناع القرار:
• جعل الأمان سياسة اجتماعية، وليس فقط اختصاص الشرطة.
• تزويد الناس بعدالة أكثر، لا بشرطة أكثر.
• الإكثار من فرص عمل، لا من السجون.
• أطعم الناس، يختفي الجوع، فتختفي معه دوافع الجريمة.
• إنشاء مرصد للجريمة والفقر يساعد على دراسة واستهداف الأسباب.
للمجتمع:
• تعزيز التربية الأخلاقية والإسلامية والتربية الاقتصادية
• تقديم نماذج واقعية لقصص الإصلاح الاجتماعي
ختامًا.. لا يُصنع الأمان في مراكز الشرطة، بل في أطباق الطعام. ولا يحرس المنازل عدد أفراد الدوريات، بل غياب الحاجة إلى السرقة.
وأخيرًا.. القانون يردع، لكن الرغيف يمنع.
