أرقام تهز الضمير.. من يحمي أطفالنا؟

 

 

 

سلطان بن ناصر القاسمي

بينما أستمعُ إلى المؤتمر الصحفي للادعاء العام الذي عُقد قبل أيام، توقفتُ طويلًا عند الأرقام التي أُعلنت بشأن القضايا المُتعلقة بالأطفال والقُصّر من تحرّشٍ واغتصابٍ، لم تكن أرقامًا عابرة يمكن تجاوزها؛ بل صدمة حقيقية تهُز الضمير قبل العقل، وتفرض على كل فرد في المجتمع أن يقف وقفة مراجعة وتأمل فيما يحدث حوله، لا باعتباره خبرًا عابرًا؛ بل ناقوس خطر يدق بقوة، ويجب الانتباه له.

والأكثر إيلامًا في تلك الأرقام أنَّ غالبية هذه القضايا وقعت خارج إطار المنزل كما أشار سعادة المدعي العام، للأسف في أماكن كان من المفترض أن تكون آمنة للأبناء، أو على الأقل خاضعة لمُتابعة ورقابة أسرية، وهذا يقودنا مباشرة إلى سؤال مؤلم لكنه ضروري: أين كانت الأسرة؟ وأين كانت المتابعة؟ وأين كنَّا نحن كمجتمع من مسؤولية الحماية؟ كلها أسئلة تحتاج إلى إجابة صريحة منَّا.

الحديث عن هذه القضايا لا يعني اتهام الأسر أو تحميلها الذنب وحدها، لكن هو الانتباه والوعي وإن كان متأخرًا، لكنه في الوقت ذاته يفرض علينا الاعتراف بأن الإهمال الأسري، أو الثقة الزائدة من قبلها، أو الغياب الطويل للرقابة الواعية، كلها عوامل ساهمت- بقصد أو بغير قصد- في تعريض الأطفال لمخاطر لا يملكون القدرة على مواجهتها أو حتى فهمها، والتي من الممكن أن تتسبب في إيذائهم نفسيًا وجسديًا في المستقبل، وهذا يتطلب علاجًا صعبًا إذا ما تم الانتباه له في حينه، والسيطرة والقدرة على علاجه.

إن المجتمع العُماني، الذي طالما كان يُضرب به المَثل في التماسك الأسري والتربية المجتمعية، لا يمكن أن يقف متفرجًا أمام هذه الأرقام المخيفة في مجتمع مطمئن، فالقضية ليست فردية، ولا يمكن حصرها في حالات معزولة، بل هي مؤشر على خلل تربوي واجتماعي يستدعي المُعالجة الجادة قبل أن تتسع دائرته، ولتبدأ المعالجة من الأسرة التي تُعدّ الحصن الأول والأكثر تأثيرًا في حماية الأطفال.

المعالجة تبدأ من الأسرة؛ فهي خط الدفاع الأول عن الطفل، والحماية الحقيقية لا تعني المنع والتضييق بقدر ما تعني الحضور الواعي، أن يعرف الوالدان أين يذهب أبناؤهم، ومع من يجلسون، وماذا يشاهدون، وماذا يسمعون، إن الحوار الصريح مع الأطفال، بلغة تناسب أعمارهم، وتعليمهم معنى الخصوصية الجسدية، وحدود التعامل مع الآخرين، لم يعد ترفًا تربويًا بل ضرورة ملحّة يستوجب فهمها والعمل بها، كما أن بناء الثقة مع الطفل، ليشعر أن بإمكانه الحديث دون خوف أو توبيخ، هو عامل أساسي في الوقاية والرقابة، فالطفل الذي يخشى العقاب أو السخرية قد يصمت عن الأذى، بينما الطفل الآمن نفسيًا يطلب المساعدة قبل أن تتفاقم المأساة.

في هذه القضية، لا تقف المراقبة والوعي عند الأسرة فحسب، بل إن دور المجتمع لا يقل أهمية في ذلك، فالمسؤولية لا تتوقف عند حدود المنزل، أو المدرسة، ودور العبادة، والمؤسسات الإعلامية، فجميعها شركاء في صناعة الوعي، إن نشر ثقافة حماية الطفل بشكل عام، وكسر حاجز الصمت حول هذه القضايا، والتأكيد أن الإبلاغ ليس فضيحة بل شجاعة، يتوجب علينا غرسها لدى الأطفال، هو جزء من العلاج المجتمعي المطلوب، كما أن الرقابة المجتمعية الإيجابية، القائمة على الحرص لا التطفل، وعلى النصيحة لا التشهير، تعزّز من حماية الأطفال في الأماكن العامة، وتعيد للمجتمع دوره الأخلاقي في الرعاية والحماية.

ختامًا.. الأرقام التي صدمتنا ليست مجرد إحصاءات في تقرير رسمي، بل هي قصص ألم حقيقية لأطفال كان يفترض أن يعيشوا طفولتهم بأمان، والتعامل مع هذه القضية بوعي ومسؤولية هو واجب شرعي وأخلاقي ووطني، فحماية الأطفال ليست خيارًا، بل مسؤولية مشتركة، تبدأ من الأسرة، وتتوسع إلى المجتمع بأكمله، حتى لا نستيقظ يومًا على أرقام أشد قسوة، وندم لا ينفع معه الندم.

 

الأكثر قراءة

z