صالح بن ناصر الغافري
بِرُّ الوالدين ليس مجرّد وصيّةٍ عابرة، بل هو أساسُ الحياةِ وميزانُ الأخلاقِ، وهو القيمةُ التي تُعطي للإنسان معنى وجودِه وتُحدِّد طريقَه نحو رضا اللهِ وراحةِ الضمير. لقد أوصى اللهُ تعالى به في كتابِه الكريم فقال:
﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلّا تَعبُدوا إِلّا إِيّاهُ وَبِالوالِدَينِ إِحسانًا ۚ إِمّا يَبلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُما أَو كِلاهُما فَلا تَقُل لَهُما أُفٍّ وَلا تَنهَرهُما وَقُل لَهُما قَولًا كَريمًا﴾ [الإسراء: 23]
وفي الحديث النبوي: «جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، مَن أحقُّ الناسِ بحُسنِ صَحابتي؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَن؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَن؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَن؟ قال: أبوك»
إنَّ البرَّ ليس كلماتٍ تُقال في المناسبات، ولا دموعًا تُذرف عند القبور، بل هو حياةٌ يوميّة نعيشها مع والدَينا في كلِّ لحظة. هو ابتسامةٌ نرسمها على وجوهِهم، هو يدٌ نمدُّها لخدمتِهم، هو دعاءٌ نرفعه لهم وهم أحياءُ قبل أن نرفع الدعاء بعد رحيلِهم. ويؤلمني ما نسمعُه من قصصٍ عن أبناءٍ لم يُدركوا قيمةَ والديهم إلا بعد أن فقدوهم، فأصبح البرُّ عندهم مجرّد صدقةٍ أو دعاء، بينما كان يمكن أن يكون ما يرجوه الأبُ من ابنِه بعد أن ربّاه أن يراه صالحًا في نفسِه، مستقيمًا في أخلاقِه، نافعًا لمجتمعِه ووطنِه، مواطنًا بارًّا ليس بوالديه فقط، وإنّما بإنسانيّتِه وقيمِه التي تعكس التربيةَ التي تلقّاها.
الأبناءُ يحملون أسماءَ آبائهم كما يحمل المواطنُ وطنَه، يحملون ميراثَ التربيةِ والقيم كما يحمل الإنسانُ رايةَ بلادِه، فإذا صلح الابنُ كان برًّا بوالديه، وكان صالحًا في نفسِه، وكان نافعًا لمجتمعِه، وكان وفيًّا لوطنِه.
لقد رأيتُ بعيني مشاهدَ لا تغيب عن الذاكرة؛ شابٌّ يحمل والدَه المريض بين ذراعَيه ليضعه على الكرسيِّ المتحرّك ويدخله إلى المستشفى، وأمٌّ ترعى ابنَها المعاق بكلِّ صبرٍ وحنان، وابنٌ يمسك بيد والدِه الكبير ليعبر به الطريق كما كان والدُه يمسك بيدِه وهو صغير. ومن أسمى صور البرّ أيضًا أن يحمل الأبناءُ والديهم ليُعينوهم على أداء مناسك العمرة أو الحج، فكم يكون الأجرُ عظيمًا حين يجتمع برّ الوالدين مع عبادةٍ من أعظم العبادات.
وفي زمنِ أجدادِنا وآبائنا وعلمائنا وقادتِنا كانت الأسرةُ هي نواةَ المجتمع، وبصلاحِها يصلح المجتمعُ كلُّه، فبرّ الوالدين لم يكن قيمةً فرديّةً فحسب، بل أساسًا لبناء مجتمعٍ متماسكٍ ونهضةٍ راسخة. وأتذكّر عند تشييع جنازةِ أحد الأقارب، أن صديقًا عزيزًا همس في أذني قائلاً: هل البرّ عند الموت؟ كان السؤالُ صادقًا وموجعًا، لأنه يفتح بابَ التأمل في أن كثيرًا من الأبناء لا يستيقظون إلى قيمةِ البرّ إلا بعد أن يفقدوا والديهم، فيصبح البرّ عندهم مجرد دعاء وصدقة، بينما كان يمكن أن يكون حياةً مليئةً بالحبِّ والوفاءِ والخدمةِ الصادقة. ذلك الهمسُ كان الشرارةَ التي دفعتني إلى كتابة هذه الكلمات، ليكون المقالُ دعوةً صريحةً إلى البرّ قبل فوات الأوان، ونحن إذ نكتب عن البرّ نترحّم على من فقد أحدَ والديه، ونجدد الدعاءَ لهم بالرحمةِ والمغفرة، ونشدّ الأيادي على من لا يزال له أبٌ أو أمٌّ أن يغتنم الفرصةَ في حياتِهما ليبرّهما ويخدمَهما ويجعلَ من ذلك طريقًا إلى رضا اللهِ وراحةِ الضمير.
فلنجعل برّ الوالدين طريقًا نعيشه اليوم قبل الغد، فهو مفتاح رضا الله، وسرّ صلاح الأبناء، وجسرٌ متينٌ نحو مجتمعٍ متماسكٍ ووطنٍ مزدهر إنّه دعوةٌ صادقةٌ لكلّ قلبٍ حيّ أن يتحرّك الآن، ليبرّ والديه في حياتهما، ويصنع من برّه بهما بركةً تمتدّ إلى نفسه وأسرته ووطنه.
