طقوس الشيطان الأكبر

 

 

 

مدرين المكتومية

المُتتبع للتاريخ يدرك أنَّ انهيار الإمبراطوريات وسقوطها لا يبدأ بالخسائر العسكرية وإنما يبدأ بغياب الأخلاق في المُجتمعات، فعندما تنسلخ السلطة عن القيم ويُصبح النفوذ هو المظلة التي يحتمي تحتها الانحطاط والانحدار والانحراف بدلا من أن يكون رادعاً لها، عندها لا تصبح الشعارات الأخلاقية إلا واجهة مصقولة تخفي خلفها عوالم مظلمة مليئة بالانحطاط والوحشية، يدار كل شيء فيها بعيداً عن المساءلة وعن أعين القانون.

وفي عالمنا اليوم تتصدر النخب السياسية وأصحاب المال والنفوذ الخطابات الخاصة بالقيم وحمايتها وبحقوق الإنسان فإن الفجوة تتسع بين ما يمارس وما يقال ويردد من خطابات وشعارات في المؤتمرات والمناسبات الحقوقية، خاصة عندما تصبح الأخلاق أداة انتقائية ترفع في وجوه الضعفاء وتسحب بصمت من وجوه الأقوياء، ومن هنا تبنى أبشع الجرائم التي لا نراها في الشوارع ولا من النشالين أو القتلة وإنما ترتكب تلك الجرائم في أماكن مغلقة وفي الجزر المعزولة عن العالم.

وفي هذا السياق تتصدر قضية رجل الأعمال والملياردير الأمريكي جيفري إبستين وسائل الإعلام الغربية وتتداولها وسائل الإعلام العربية وتضج بها مواقع التواصل الاجتماعي وأصبحت أيضا حديث الكثير من الناس فيما بينهم، فبينما كانت هذه المواضيع لا يسمع عنها ولا تناقش، أصبحت الآن غير مملوكة بل إنها ملفات لا يمكن نعتها بالسرية في هذا الزمن والوقت، حيث إنه لا يمكن النظر إلى هذه القضية كحادثة جنائية معزولة وحسب أو أنها مجرد فضيحة أخلاقية عابرة بل هي صدمة انحطاط أخلاقي عميق كشفت عن منظومة متكاملة من الانحدار والتواطؤ الصامت؛ إذ إن إبستين لم يكن مجرد رجل منحرف وحسب بل هو جزء من شبكة نفوذ عالمية تمتد خيوطها إلى أعلى مستويات السلطة والمال، التي تدفن معها الحقيقة إذا أصبحت عارا، ويشترى فيها الصمت بثمن النفوذ والقوة، وهي ما يمكن القول عنها إنها فضيحة تاريخية تسقط قناع النخب العالمية.

هذه الفضيحة اجترت خلفها الكثير من الشخصيات التي تتصدر الصحف والشاشات على أنها تطالب بحقوق الإنسان والعدالة وترفع شعارات القيم ولكن الحقيقة فتحت تلك الأبواب المغلقة لعقود ومحصنة بالمال والنفوذ والسلطة لتكشف عن هذه الشخصيات التي لا نمتلك كلمة يمكن أن تصف ما آلت إليه من انحطاط أخلاقي وغياب قيمي واضح.

الوقائع المثبتة تقول إن إبستين "أدار شبكة منظمة لاستغلال القاصرات جنسيًا، مستهدفا فتيات من عائلات فقيرة أو بيئات هشة عبر وعود بالمنح الدراسية والعمل"، وهذه الجرائم قد تم الكشف عنها في عام 2005 في ولاية فلوريدا، ولكن كانت الصدمة في الحكم القضائي الذي سمح له بالعيش بعيدًا عن أسوار السجن، وهو ما يعكس قدرة القوة والنفوذ بشراء العدالة، لكن في عام 2019 تم اعتقاله مُجددًا بعد الحصول على أدلة وشهادات جديدة عنه. غير أن الحقيقة الكاملة اختفت بمجرد موته في زنزانته، والتي قيل إنها "انتحار"؛ حيث جرى تعطيل كاميرات المُراقبة على الرغم من تصنيفه "سجين عالي الخطورة"، وبعد موته لم يكن السؤال ما الذي فعله؟ بل من كان يخشى شهادته؟

القضية كشفت لاحقًا آلاف الصفحات والسجلات والمراسلات والرحلات وأسماء ذات سلطة ونفوذ زارت جزيرته الخاصة وارتادت طائرته، كما تضمنت عدداً من شهادات الضحايا من الممارسات غير المألوفة والسلوكيات المختلة؛ الأمر الذي لم يكشف فقط عن مجرم؛ بل عن منظومة متكاملة من الشخصيات التي تحاول حماية نفسها بدفن الحقيقة إن اضطرت لذلك، حيث إن هذه الفضيحة هي دليل على أن "الشيطان الأكبر" لا يعيش في الظلام؛ بل يعيش بين النخبة التي تدعي أن حقوق الإنسان والاعتبارات القيمية والأخلاقية هي الأساس.

وما يجب علينا إدراكه أن هذا الانهيار والانحطاط الأخلاقي لا يبقى في الظلام ولا في عالم معزول أو بداخل زنزانة مغلقة؛ بل هو انعكاس لسياسات تفرض على مناطق بأكلمها وفي مقدمتها منطقتنا العربية؛ فالسُلطة التي تتجاهل استغلال الأطفال وتشعل الفوضى وتخطط للحروب وترسمها وتعمل على تشكيل المجتمعات تحت شعارات لامعة، وتقتصر الأخلاق على خطابات سياسية، يكون الإنسان لديها مجرد رقم لا يُذكر ولا أهمية له!

قضية إبستين تكشف أن الخلل ليس فرديًا، وإنما أكبر من ذلك، إنه خلل منظومة تضع نفسها فوق الحسابات وفوق أي اعتبار، وتتعامل مع العالم على أنه مسرح لتجاربها ومسرحياتها الجيوسياسية أو الأخلاقية، وهذه القضية ليست نهاية القصة وإنما هي إنذار بغياب الأخلاق التي يمكنها أن تُعيد صناعة الفضيحة نفسها ولكن على حساب شعوب بأكملها.

الأكثر قراءة

z