محمد بن علي بن حمد العريمي
في ظل التحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المنطقة والعالم، تسعى سلطنة عُمان إلى تعزيز مكانتها الاقتصادية من خلال شراكات استراتيجية مع الدول المجاورة، خاصة المملكة العربية السعودية، ويُعد التعاون بين البلدين خطوة مُهمة نحو تحقيق التكامل الاقتصادي وتعزيز الاستقرار الإقليمي، ويبرز- في هذا السياق- التعاون في مجالات حيوية مثل التجارة، والطاقة، والصناعات التحويلية.
هذا التعاون لا يقتصر فقط على تعظيم الفوائد الاقتصادية؛ بل يتعدى ذلك إلى تعزيز مكانة البلدين على الساحة الدولية؛ حيث يُعد التعاون المشترك فرصة كبيرة لتطوير بنيتهما الاقتصادية وفقًا لمتطلبات العصر. وتتمتع سلطنة عُمان بموقع جغرافي استراتيجي يتيح لها دورًا محوريًا في التجارة بين قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا. ما يجعلها أكثر جاذبية هو وجود موانئها الحديثة مثل ميناء صحار والدقم؛ حيث يوفران بنية أساسية قوية لعمليات الاستيراد والتصدير. لكن ميناء الدقم يبرز كفرصة استراتيجية أخرى لرفع مستوى الاقتصاد العُماني بشكل عام. ويقع هذا الميناء على السواحل الجنوبية للسلطنة، ويوفر إمكانيات كبيرة للاستفادة من الحركة التجارية بين عُمان ودول منطقة الخليج العربي، إضافة إلى الأسواق الأفريقية. ويمكن أن يُسهم ميناء الدقم- بفضل الموقع الجغرافي الاستثنائي خارج مضيق هرمز- في تسهيل التجارة وزيادة التبادل التجاري بين عُمان والمملكة العربية السعودية؛ إذ يُمكن أن يصبح نقطة انطلاق رئيسية للمنتجات العُمانية نحو الأسواق الأفريقية التي تشهد نموًا سريعًا، إضافة إلى تسهيل نقل السلع السعودية إلى الأسواق الآسيوية.
وبلغت قيمة الأصول في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم نحو 1.2 مليار ريال عُماني بنهاية عام 2024. وتشمل هذه الاستثمارات تحديث الأرصفة، وتوسيع المرافق اللوجستية، وإنشاء محطات معالجة المياه، فضلًا عن تطوير شبكات الطرق، ما يجعل الميناء قادرًا على استقبال مختلف أنواع السفن والبضائع.
وبالحديث عن التكامل اللوجستي، تتضح الفرص الواعدة في قطاع النقل البحري والخدمات اللوجستية؛ حيث تعمل الشركات السعودية بالتنسيق مع مجموعة "أسياد" العُمانية وشركة النقل البحري السعودية على تعزيز قدرات الربط البحري عبر ميناء الدقم والحوض الجاف، مما يضمن توفير سلاسل إمداد مرنة ومتكاملة تخدم التبادل التجاري مع آسيا وشرق أفريقيا.
وعلى صعيد الربط البري، يُعد افتتاح الطريق بين عُمان والسعودية، عبر صحراء الربع الخالي نقلة نوعية في مسار التبادل التجاري؛ إذ يقلص هذا الطريق المسافة بين البلدين بأكثر من 500 كيلومتر، ما يؤدي إلى تقليل تكاليف النقل وتسريع حركة البضائع. وتمثل هذه البنية الأساسية حلقة وصل فعالة لنقل البضائع السعودية إلى ميناء الدقم، ومنه إلى الأسواق الدولية.
ويُعزز هذا التوجه النمو الملحوظ في حجم التبادل التجاري عبر ميناء الدقم، في عام 2024 بلغ حجم التبادل التجاري عبر ميناء الدقم حوالي 1.9 مليار ريال عُماني حتى يوليو، بينما في النصف الأول من 2025 ارتفع نشاط الموانئ العُمانية (بما فيها الدقم) بنسبة 11.7% في الحاويات و5.2% في إجمالي البضائع مُقارنة بالفترة نفسها من 2024 بأكمله. ويؤشر هذا النمو إلى كفاءة الميناء في دعم عمليات التصدير وإعادة التصدير؛ بما يفتح آفاقًا واعدة للمملكة في تنمية صادراتها.
ويُظهر التبادل التجاري بين عُمان والسعودية في السنوات الأخيرة نموًا ملحوظًا؛ حيث تشير التقارير إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ أكثر من 1.014 مليار ريال عُماني حتى يونيو 2025، ما يعكس تطور العلاقات التجارية بين الجانبين. هذا النمو يعود جزئيًا إلى التعاون الوثيق بين عُمان والسعودية في قطاعات متنوعة مثل الزراعة، الثروة السمكية، والطاقة. على سبيل المثال، قامت السعودية بتوسيع صادراتها من البتروكيماويات والمعادن إلى عُمان، بينما قامت عُمان بتصدير منتجاتها الزراعية والسمكية ذات الجودة العالية إلى الأسواق السعودية، ما يعكس تكامل الموارد والقدرات الاقتصادية بين البلدين.
في سياق آخر، يُعد قطاع الطاقة أحد أبرز المجالات التي تشهد تعاونًا متزايدًا بين عُمان والسعودية. ففي ظل التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، تُعد السعودية من الدول الرائدة في مجال إنتاج الهيدروجين الأخضر؛ حيث استثمرت أكثر من 112 مليار ريال سعودي في هذا القطاع خلال السنوات الماضية. فيما تُركِّز عُمان على تطوير مصادر الطاقة المتجددة، خاصة طاقة الرياح والشمس، التي تتوافر بشكل وفير في أراضيها. التعاون بين البلدين في هذا المجال يمكن أن يُسهم في تحقيق أهدافهما البيئية المشتركة ويساعد على تصدير الطاقة النظيفة إلى الأسواق العالمية. كما يمكن أن يؤدي إلى تطوير مشاريع طاقة مشتركة يمكن أن تُعزز من قدرة البلدين على تلبية احتياجاتهم الداخلية، إضافة إلى تزويد الأسواق العالمية بالطاقة المُتجددة بأسعار تنافسية.
من جهة أخرى، تُعد الصناعات التحويلية مجالًا حيويًا للتعاون بين البلدين، بالاستفادة من المواد الخام المتوفرة في عُمان والتكنولوجيا المتقدمة في السعودية، يمكن لكلا البلدين تعزيز قوتهما الإنتاجية وزيادة القيمة المضافة للصادرات؛ فالسعودية تُمثل سوقًا كبيرًا للمنتجات العُمانية ذات القيمة المضافة، بينما تُسهم الصناعات العُمانية في تلبية احتياجات السوق السعودي. من خلال هذا التعاون، يمكن أن تُسهم كل من السعودية وعُمان في تعزيز القدرة التنافسية للمنطقة في الأسواق العالمية.
إضافة إلى ما سبق، فإنَّ تطوير القطاع السياحي بين البلدين يُعد فرصة أخرى لتحفيز النمو الاقتصادي المشترك. وتمتلك كل من عُمان والسعودية مواقع سياحية فريدة من نوعها؛ مما يُتيح الفرصة لتطوير مسارات سياحية مشتركة بين البلدين. هذه المبادرة يمكن أن تُسهم في جذب السياح من كافة أنحاء العالم، ما ينعكس إيجابيًا على قطاع الضيافة والخدمات، ويخلق فرص عمل جديدة في المجتمعات المحلية. إضافة إلى ذلك، يمكن أن تُسهم الجهود المشتركة بين البلدين في تعزيز السياحة الثقافية، خاصةً مع وجود المواقع التاريخية والطبيعية التي تزخر بها عُمان والسعودية.
وبما أنَّ قطاع التعدين يشكل أحد أعمدة الاقتصاد العُماني، فإنَّ التعاون المشترك في هذا المجال سيكون له أثر مباشر في تعزيز أمن الإمدادات الصناعية لدول الخليج. وقد أبدت السعودية اهتمامًا خاصًا بالاستثمار في مشاريع التعدين في عُمان، خصوصًا في المعادن المستخدمة في الصناعات التقنية والطاقة النظيفة.
من جهة أخرى، يبرز قطاع الرعاية الصحية والتأمين كفرصتين استثماريتين واعدتين؛ حيث تمت مناقشة سبل التعاون فيهما ضمن ملتقى الأعمال المشترك الأخير، ما يشير إلى نية واضحة لتوسيع نطاق الخدمات الصحية بين البلدين، سواء عبر شركات التأمين أو عبر بناء مستشفيات ومراكز طبية حديثة.
ورغم هذه الفرص الكبيرة، هناك العديد من التحديات التي يتعين على البلدين التغلب عليها. إحدى هذه التحديات هي ضرورة التنسيق بين السياسات الاقتصادية، وكذلك العمل على تطوير البنية الأساسية التي تسهم في تسهيل حركة التجارة بينهما. على سبيل المثال، يتعين تطوير شبكة الطرق والموانئ بين البلدين بما يعزز من حركة البضائع ويسهم في تقليص التكاليف. كما أن استثمار البلدين في تطوير الكفاءات البشرية يعد أمرًا أساسيًا لضمان نجاح المشاريع المشتركة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
علاوة على ذلك، من المهم أن يُحسِّن التعاون في مجال الابتكار والتكنولوجيا؛ حيث إن دمج التقنيات الحديثة في مختلف القطاعات يمكن أن يسهم بشكل كبير في دفع عجلة النمو. على سبيل المثال، يمكن أن تستفيد عُمان من تجربة السعودية في مشروع "نيوم" الذي يُعد نموذجًا مثاليًا للمدن الذكية التي تعتمد على التكنولوجيا الحديثة لتوفير بيئة معيشية مستدامة. يمكن أن يكون تبني عُمان لهذا النموذج في بعض مدنها بمثابة خطوة كبيرة نحو تحقيق التنمية المتكاملة.
أخيرًا، يبرز التعاون بين عُمان والسعودية في مجال الأمن الغذائي كأحد الأولويات الاستراتيجية، خاصةً في ظل التحديات العالمية التي تواجه سلاسل التوريد؛ إذ إن عُمان تمتلك موارد زراعية تُساعد في تلبية احتياجات السوق السعودي، بينما يمكن للسعودية تقديم الدعم في تطوير القطاع الزراعي العُماني باستخدام التقنيات الحديثة التي تسهم في زيادة الإنتاج وتحسين جودته.
في نهاية المطاف، تبرز تعزيز الاقتصادية بين سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية كحجر زاوية في تحقيق التكامل الإقليمي وتعزيز التنمية المستدامة في المنطقة. ووسط التحديات الاقتصادية العالمية، يظهر هذا التعاون كنموذج يُحتذى به في استثمار الفرص المشتركة وتحويلها إلى مكاسب استراتيجية تصب في صالح البلدين وشعبيهما. إن الموقع الجغرافي المتميز والإرادة السياسية المشتركة والتكامل في الرؤى التنموية يجعل من هذه الشراكة فرصة غير مسبوقة لتعزيز القطاعات الحيوية مثل اللوجستيات والطاقة المتجددة. مشاريع النقل والبنية الأساسية المتطورة تسهم في تسهيل حركة التجارة وتعزيز الترابط بين الأسواق الخليجية والعالمية، بينما تقدم الاستثمارات المشتركة في الطاقة النظيفة نموذجًا عمليًا للتحول نحو الاستدامة البيئية ومواجهة تحديات المناخ.
على الرغم من التحديات التي قد تواجه هذا التعاون، فإن الالتزام المستمر من الجانبين لتحقيق أهداف رؤية "عُمان 2040" ورؤية "السعودية 2030" يعكس إيمانًا راسخًا بقدرة هذه الشراكة على إحداث تأثير إيجابي بعيد المدى. التنسيق بين السياسات الاقتصادية وتطوير البنية الأساسية والابتكار المستمر هي عوامل أساسية لدفع عجلة هذا التعاون نحو آفاق أوسع. إن ما يميز هذه الشراكة هو أنها تتجاوز المصالح الاقتصادية لتكون نموذجًا للتعاون الذي يعزز الاستقرار الإقليمي ويجذب الاستثمارات العالمية. هذه ليست مجرد خطوات اقتصادية، بل هي رؤية شاملة نحو مستقبل أكثر ازدهارًا.
ختامًا.. تبقى العلاقة بين سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية دليلًا على قوة العمل الجماعي والإرادة المشتركة. وفي عالم مليء بالتحديات، يثبت البلدان أن التكامل الاقتصادي ليس خيارًا؛ بل ضرورة لتحقيق النمو والازدهار المشترك، وهو ما يُلهم بقية دول المنطقة للسير على نفس النهج الواعد.
