محمد السعداوي
باقي من الزمن يومان، تندم بعدهما على ما فات!
نعم، تجاوز زوار معرض القاهرة الدولي للكتاب 5 ملايين، كبارا وصغارا رجالا ونساءً، حشد هائل يُثبت أن مصر الثقافة حاضرة لن تغيب، مصر الأمن والأمان، يجتمع فيها تحت مظلة المعرض ملايين، المصريين وغير المصريين، من الصعايدة للإسكندرانيّة، منوفي مع شرقاوي…، سعودي مع عُماني، خليجي وإندونيسي وماليزي وأفريقي مع أوروبي.
العدد حقيقي، صورة من مشهد صلاة الجمعة في معرض الكتاب، تُعبِّر عن حقيقة وواقع يثبت أن مصر قبلة الإسلام، ومنبر الثقافة، وبلد التعايش. رغم هذا الحشد وتلك الأعداد، التزم الجميع بالنظام، بل ساد الأمن والأمان، لم يكن هناك احتكاك أو مشاكل أمنية أو سلوكية، الانضباط والالتزام سيد الموقف؛ فالجميع أتى إلى ميدان الثقافة ومحراب العلم، متسلحًا بالأخلاق مصطحبًا الأصدقاء والخلان، أسر وعائلات، طلاب وطالبات، رحلات مدرسية وجامعية، تحمَّل الجميع مشقّة السفر وكُلفة الانتقالات، وتعب الزحام حُبًا للكتاب ورغبة في أن يشهد الحدث، سواء اِقتنى الزوار الكتب، أو حضروا فقط للمشاركة في هذا المشهد الذي يبهر العالم، فلا يوجد مثيل لمعرض القاهرة على مستوى العالم. ولئن كان المعرض يُصنف عالميًا على أنه الثاني بعد معرض فرانكفورت- وهذا تحيز غربي واضح- فمعرض القاهرة من حيث مساحة العرض والإقبال الجماهيري يتفوق على أي معرض كتاب في العالم.
أحد الزائرين العرب يتحدث عن المعرض فيقول: "نحن حين نزور المعرض لا نزوره لذات الكتب فحسب، فالكتب أصبحت متيسرة ومتوافرة، وإنما هناك متعة في التسوق ذاته، وفي لقاء الأحبة والقراء من مختلف دول العالم؛ فالمعرض القاهري تحديدًا أصبح ملتقى يجمع قراء العربية حول العالم، وفي كل سنة أتعرف على قراء جدد متنوعين ومختلفين من شتى دول العالم، وهذا أمر لا يتيسر في أي مناسبة أخرى".
المعرض منذ انطلاق دورته الأولى سنة 1969م، مع الدكتور ثروت عكاشة والدكتورة سهير القلماوي؛ احتفالًا بألفية القاهرة، اليوم في دورته الـ57 يُعد أكبر حدث جماهيري في الشرق الأوسط، بل وفي العالم.
فعلًا "مصر ملهاش كتالوج"، كما نقول. شعب يواجه تحديات مالية واقتصادية تتوقع منه أن يبحث عن لقمة العيش، لكن تجده يُبهرك بسلوك منضبط وإقبال منقطع النظير، لأنه شعب أصيل يعرف معنى الثقافة والحضارة والأخلاق.
نعم سنُكمل وننجح بثقافتنا وفننا بأيدينا وبعلمنا وبناشرينا وبكُتَّابنا ومُثقّفينا، شعارنا في المعرض مقولة الكاتب الكبير نجيب محفوظ "من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قرونًا".. شعار يؤكد أهمية القراءة المستمرة. وفي الدورة 57 تشارك 1457 دار نشر من 83 دولة. وفي المعرض نجد مبادرة "مكتبة لكل بيت" لتسهيل اقتناء الكتب، وقاعات خاصة للكتب بطريقة "ديزي" و"برايل" لذوي الإعاقة. كما يُنظّم المعرض ندوات ولقاءات فكرية وإبداعية تجسد التنوع الثقافي، وتعد ركيزة لبناء الإنسان ودعم صناعة النشر، وتمثل الدورة الحالية تظاهرة ثقافية استثنائية.
وكما نقول بالعامية: "مصر جميلة كلها على بعضها، اللّي يحبها تُبهره، واللي يكرهها تخذله، وعُمرُه ما هيشوف حضنها ولا يحس بدفئها ولا هيقرب منها"!
