منصات التواصل الاجتماعي.. بين قوة التأثير ومسؤولية الاستخدام

 

 

د. سالم بن حسن الشنفري

لم يعد التواصل الاجتماعي في عصرنا الحديث ترفًا ثقافيًا أو وسيلة ترفيه عابرة، بل غدا أحد أعمدة الحياة المعاصرة، وأداة مركزية في تشكيل وعي الأمم، وصناعة الرأي العام، وبناء الجسور بين المجتمعات. فهذه المنصات الرقمية، بما توفره من سرعة انتشار وتفاعل واسع، أسهمت في تعزيز حرية التعبير، وتوسيع دائرة المشاركة المجتمعية، وربط الأفراد بالمعلومة والحدث لحظة بلحظة. غير أن هذه القوة الناعمة ذاتها، إنْ أُسيء استخدامها، قد تتحول إلى مصدر قلق اجتماعي وأمني وأخلاقي، يهدد السكينة العامة، ويزعزع منظومة القيم والهوية.

من الناحية السياسية، لعبت منصات التواصل دورًا فاعلًا في رفع مستوى الوعي العام بالقضايا الوطنية والإقليمية، وأتاحت مساحات للنقاش والمساءلة، وقرّبت المواطن من صانع القرار. إلا أن الوجه الآخر لهذه الفضاء المفتوحة يتمثل في سهولة ترويج الشائعات، وتضليل الرأي العام، وصناعة الاستقطاب الحاد، فضلًا عن توظيف ما يُعرف بـ«الذباب الإلكتروني» في بث الفتن وتأجيج الخلافات، وضرب الثقة بين أفراد المجتمع ومؤسساته. وهنا تصبح المنصات أداة ضغط غير منضبطة، قد تُستغل لتقويض الاستقرار بدلًا من تعزيزه.

اجتماعيًا، أحدثت هذه المنصات تحولات عميقة في أنماط التواصل والعلاقات الإنسانية؛ فهي من جهة قربت المسافات، وسهلت التواصل بين الأسر والأصدقاء، وخلقت فضاءات للتضامن المجتمعي والعمل التطوعي. لكنها من جهة أخرى أسهمت في انتشار السطحية والإسفاف، وتراجع الحوار الرصين، وتصاعد خطاب الكراهية والتنمر، فضلًا عن إضعاف الروابط الاجتماعية المباشرة، خاصة لدى فئة النشء، التي باتت تتشكل هويتها وقيمها في كثير من الأحيان عبر شاشات صغيرة، لا عبر الأسرة أو المدرسة أو الحي.

أما على الصعيد الأمني، فقد أضحت منصات التواصل ساحة مفتوحة لاختراق الخصوصية، ونشر المعلومات المضللة، واستهداف السِلم الأهلي؛ سواء عبر الإشاعات أو التحريض أو استغلال الأحداث. وتكمن الخطورة هنا في أن بعض المستخدمين، بحسن نية أو بغيرها، يتحولون إلى أدوات لنقل محتوى ضار، دون تحقق أو وعي بتبعات ما ينشرونه، فيتسع الأثر السلبي ويتضاعف.

أخلاقيًا وثقافيًا، تطرح هذه المنصات تحديًا حقيقيًا لمنظومة القيم والهوية، خاصة في المجتمعات ذات الخصوصية الثقافية الراسخة، كالمجتمع العُماني. فالتدفق غير المنضبط للمحتوى، وتطبيع بعض السلوكيات الدخيلة، وتقديم نماذج مشوهة للنجاح والشهرة، كلها عوامل تؤثر تدريجيًا في الذائقة العامة، وتعيد تعريف المقبول والمرفوض، ما يستدعي وقفة جادة ومسؤولة.

في هذا السياق، يأتي توجيه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- بدراسة المتغيرات السلوكية في المجتمع العُماني، ووضع سياسات مُحوْكَمة تعزز القيم الإيجابية وتحد من التأثيرات السلبية لمنصات التواصل الاجتماعي، بوصفه قراءة استباقية عميقة لواقع فرضته التحولات الرقمية. وهو توجيه يعكس إدراك المقام السامي لما أتاحته هذه المنصات من مساحة واسعة لحرية الكلمة، وما رافقها في الوقت ذاته من غث وسلبيات، تستوجب الحفاظ على هذا الفضاء الإلكتروني، لا عبر تقييده، بل عبر تنظيمه وترشيد استخدامه وتعزيز إيجابياته.

وفي بُعده القيمي، يبرز دور الخطاب الديني بوصفه رافعة أخلاقية مؤثرة، وهو ما تجلى في خطبة الجمعة بتاريخ 9 يناير 2026، التي خصصتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية لقيمة «الإعزاز بحب الوطن»، مؤكدة أن أول نواة لبناء الوطن هي الوحدة والتكافل والتآلف بين أبناء المجتمع، ومحذرة من أولئك الذين لا يحلو لهم إلا تمزيق هذه الوحدة عبر الشائعات والافتراءات، مستغلين التقنيات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي لتحقيق تلكم الغايات السلبية. وقد جاءت الرسالة واضحة: هذه الوسائل سلاح ذو حدين، تتحدد منافعها أو أضرارها بوعي مستخدمها وأخلاقه.

إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في وجود منصات التواصل بحد ذاتها، بل في كيفية استخدامها. فإما أن تكون أداة لبناء الوعي، وتعزيز القيم، وخدمة الوطن، أو وسيلة للهدم وبث الفتن وزعزعة السكينة. ومن هنا، تبرز أهمية التوعية، والانضباط الذاتي، والالتزام بالقيم الوطنية والأخلاقية، باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة الانفلات الرقمي.

وتحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يكون مسؤولية جهة واحدة، بل يتطلب تظافر جهود مؤسسات الدولة المختلفة، وفي مقدمتها؛ وزارات الإعلام، وزارة التعليم، وزارة الاوقاف والشؤون الدينية، والتنمية الاجتماعية، وغيرها من الجهات المعنية، لوضع برامج توعوية مستدامة، وأطر تنظيمية واضحة، تعزز ثقافة الاستخدام المسؤول، خاصة لدى فئة الشباب والنشء.

وفي المحصلة، يبقى الرهان على وعي المجتمع، وعلى الاستخدام الأمثل لهذه المنصات، بعيدًا عن الإسفاف والسطحية، بما يحفظ حرية التعبير، ويصون وحدة المجتمع، ويعزز ثقافة الحوار والاحترام، في فضاء رقمي آمن ومسؤول.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z