اللبنة المجتمعية

 

 

 

ماجد بن علي الهادي

 

خلقَ اللهُ الإنسانَ بحكمته وقدرته العظيمة في أحسن تقويم، وهيّأ له من موارد الحياة ما يؤطر ذلك التقويم، من كل ما هو حسيّ وماديّ نافع ومفيد. لكن الإنسان يأبى إلا وأن يحيد عن ذلك المنهج الرباني العظيم. فتجده يجاهد ليبتكر، ويغامر لينجز، ويتجرأ ليتفوق، كل ذلك لا ضير فيه، سيما إن انصبّ في بوتقة الاستفادة.
لكنه وبما إنه قد تميّز عن باقي المخلوقات: «خُلق الإنسان من عجل»، فتراه يسابق نفسه ويستعجل بإفراط استباق النتائج، سواء أكانت خيرًا أم شرًّا. هذا السباق الشرس لا ديدن له سوى إثبات الهيمنة والاستعلاء لا غير، ولا ينتج عنه في نهاية المطاف إلا الندم بعد فوات الأوان. من هذا المنطلق يتكوّن في الإنسان فطريًّا الكثير من التضادات والتناقضات، وهي في الحقيقة نتيجة طبيعة وفقًا لمكوّناته النفسية والعضوية. فالحرارة والبرودة، الحلاوة والمرارة، السعادة والحزن، الغضب والسكينة، وغيرها الكثير من التضادات والتناقضات الممتزجة مع سلوكه وتصرفاته.
أُشبّه كل ذلك بأفراد المجتمع، والذي يكون قد تفرّع من لبنات أخرى، ومجتمعات أكبر منها حجمًا، تشابهت في شخوصها وملامحها، واختلفت في تصرفاتها وأفعالها. السمة واحدة، اللون واحد، الهيئة بملبسها واحدة، لكنها تبث أفعالًا مختلفة ومتناقضة. المصيبة أن أيًّا من التصرفات ستكون موسومة للهوية وليس للسمات. بمعنى سيقال هذا الفلاني (ويتبع بالجنسية)، مع أن شخصًا آخر يحمل نفس الجنسية، ولكن تصرفاته وأفعاله نقيض تلك التصرفات.
الحكم على الشخص بجنسيته هنا ظلم كبير؛ فالبيت الواحد فيه الصالح والطالح، والقبيلة الفلانية فيها كذلك ما هو خير وعكسه. لكن، وهنا هذه الـ«لكن» لا تنصت لهمس الحكمة أبدًا، فقد فُطر أصحابها على التعميم، ولا سيما إن كان فعلًا ضارًّا أو يلامس السمعة. أليس للسمعة هنا دور فيما يحدث حولها؟ نعم بالتأكيد. أليس للخلافات الشخصية والانتقامات المبطّنة لها تأثير في هذه الماهية الخبيثة؟ ذلك مؤكد، والدليل بأن هذا الذي اصطاد هفوة قاتلة من فلان بمجرد اختلافه معه في موقف سابق، سيعلنها وينشرها على الملأ بأن يربطها مع جنسيته أو قبيلته أو عشيرته، ليحاول إثبات للآخرين بأن الجنسية أو القبيلة الفلانية تتسم بالبخل مثلًا أو النفاق أو المكر أو الخداع، مع العلم بأن هذا الحكم قابل للتغيير في أي وقت ولحظة، بمجرد ما تتغير العلاقة، وبمجرد ما يسود الرضا بين الأطراف.
وهكذا تستمر هذه الدائرة في الدوران، ولا تستغرب إن تبادلت الأدوار بينها البين؛ بل ربما الأطراف التي كانت تسخر من بعضها ستتحد يومًا ضد طرف ثالث. وهذا يؤكد بأن الإنسان في الحقيقة لا يهمه سوى إشباع رغبات غروره، على حساب الآخرين، خاصة إذا كانوا أولئك الآخرون لا حول لهم ولا قوة. إن التأثير المجتمعي.
الجميع في سباق، والجميع يحاول إثبات العكس، بمعنى إن كان فلان إنسانًا نزيهًا دعنا نثبت العكس. ليس لشيء، وإنما فقط إشباع الغرور المزيّف، إشباع النفس التي قال عنها الله عز وجل إنها «أمّارة بالسوء». كان في السابق إن تألّم فرد من المجتمع، باقي المجتمع تراه في أنين موجع، أما اليوم –إلا ما رحم ربي– فعندما يتألم فرد من مجتمع ما فإن جلّه يحفر له قبره قبل أن يلفظ أنفاسه.
ويبقى السؤال: علامَ هذا السباق المحموم في تدمير البنية المجتمعية المتراصّة؟ أهو الحسد والضغينة من لدن ضعاف النفوس ومرضى العقول، أم هو غزوًا فكريًّا يُستقصد به كل مسالم وآمن، أم هي شرارات نارية انبجست لحظة انفجار مكبوت؟ قد يكون كل ذلك وغيره. لكن الأهم من كل ذلك، يجب على الغيور على مجتمعه ووطنه أن لا يبالي ولا يكترث للأصوات الناشزة أيًّا ما كان نوعها، يبقى راسخًا وقويًّا ومترابطًا مع أبناء دمه وجلدته في كل الظروف والأحوال، وليجعلوا شعارهم حديث النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى".

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z