خالد بن حمد الرواحي
ليس كلُّ تردّدٍ ضعفًا، ولا كلُّ تحفّظٍ حكمة، ولا كلُّ صمتٍ نضجًا. أحيانًا يكون التردّد خوفًا متخفيًا، ويكون الصمت حسابًا، ويكون التحفّظ أثرًا جانبيًا لنظامٍ لا نراه… لكنه يرانا.
في السنوات الأخيرة، لم تعد منظومات التقييم تقيس الأداء فقط، بل بدأت- دون أن نقصد- تُعيد تشكيل طريقة تفكير القادة، وطريقة اتخاذهم للقرار، وطريقة تعاملهم مع الخطأ والمبادرة والمخاطرة. لم يعد السؤال: كيف نُقيّم الأداء؟ بل: ماذا يفعل هذا التقييم بالقيادة نفسها؟
فالقائد اليوم لا يعمل في فراغ، بل داخل منظومة تراقب، وتقيس، وتُصنِّف، وتحوّل السلوك إلى مؤشرات. ومع الزمن، لا يعود التقييم مجرد أداة متابعة، بل يتحول إلى عدسة يرى القائد نفسه من خلالها، ويُعيد عبرها تشكيل قراراته وخياراته. وهنا يبدأ التحوّل الصامت: لا يتغير القرار لأن الواقع تغيّر، بل لأن طريقة النظر إليه تغيّرت.
في هذا السياق، يصبح الهاجس غير المعلن لدى كثير من القادة ليس: ما القرار الأفضل؟ بل: ما القرار الأكثر أمانًا؟ وليس: كيف أُحسّن الأداء؟ بل: كيف أتجنب الخطأ؟ وهكذا تنتقل القيادة من مساحة المبادرة إلى مساحة التحوّط، ومن منطق التأثير إلى منطق السلامة.
لا يتغيّر القائد فجأة، بل يتغيّر تدريجيًا. يبدأ بتأجيل القرار الذي يحتمل الجدل، ثم بتخفيف حدّة الموقف الذي يحتاج حسمًا، ثم بموازنة كل خطوة بميزان أثرها على التقييم القادم. وهكذا يتحوّل- دون أن ينتبه- من صانع اتجاه إلى مدير مخاطر.
لا يعود السؤال: هل هذا القرار يخدم المؤسسة؟ بل: هل سيُحسب عليّ أم لي؟ ولا يعود الهم: كيف أرفع سقف الأداء؟ بل: كيف لا أخفضه في التقارير؟ فتبدو القيادة مستقرة من الخارج، لكنها تفقد في الداخل شيئًا من شجاعتها ووضوحها وقدرتها على المبادرة.
وقد يظهر هذا التحوّل في تفاصيل صغيرة: قائد يؤجّل فكرة جيدة لأنها «قد تُفهم خطأ»، أو يتردّد في دعم مبادرة واعدة لأنها «غير مضمونة النتائج»، أو يفضّل الصمت في اجتماع يحتاج موقفًا- لا لأن الفكرة خاطئة، بل لأن كلفتها الإدارية أعلى من فائدتها المهنية.
ولا يبقى هذا التحوّل حبيس القائد وحده، بل ينتقل عبر السلم الإداري. فالقائد الذي يخشى تقييمًا غير منصف يميل إلى تقييم غير مريح، لا لأنه ظالم، بل لأنه خائف. وهكذا ينتقل التحوّط من الأعلى إلى الأسفل، ويتحوّل التقييم من أداة تطوير إلى أداة ضبط، ومن وسيلة تحسين إلى وسيلة تجنّب. ومع الزمن، لا تُدار المؤسسة بما هو أصلح، بل بما هو أقل إزعاجًا.
فتنتج المنظومة، من حيث لا تقصد، قادة حذرين، ومديرين مهادنين، وفرقًا تعمل داخل حدود ضيقة من «المسموح»، لا داخل فضاء واسع من الممكن.
ويظل سؤالٌ غائب حاضرًا: من يُقيّم جودة التقييم نفسه؟ من يراجع ما إذا كانت القرارات تُتخذ بشجاعة أم بخوف، وبصواب أم بتحوّط؟ فغياب هذا المستوى من المراجعة يجعل المنظومة تدور حول نفسها: تُصحّح الأرقام، لكنها لا تُصحّح السلوك، وتعدّل المؤشرات، لكنها لا تعدّل المناخ الذي تُتخذ فيه القرارات.
ومع الوقت، يتسلّل هذا المنطق إلى ثقافة المؤسسة. يصبح الخطأ شيئًا يجب تجنّبه لا التعلّم منه، والمبادرة مخاطرة لا فرصة، والصمت أأمن من الكلام، والتأجيل أأمن من الحسم. فلا تموت المؤسسة فجأة، لكنها تفقد قدرتها على التجدّد، وعلى الجرأة، وعلى اتخاذ القرارات التي تصنع الفرق.
ولهذا فالسؤال الحقيقي ليس: هل لدينا منظومات تقييم جيدة؟ بل: هل تُنتج هذه المنظومات قادة أفضل؟ وهل تُحرّر فيهم الشجاعة أم تُنمّي فيهم الحذر؟ فالتقييم ليس مجرد أداة قياس، بل قوة تُشكّل السلوك وتعيد رسم حدود الممكن. وإذا أردنا تطوير الأداء حقًا، فعلينا أن نطوّر ما يصنع الأداء أولًا: الإنسان الذي يقوده.
