واشنطن - الوكالات
في أواخر يناير 2026، تشكّلت فوق الولايات المتحدة عاصفة شتوية واسعة النطاق، أُطلق عليها إعلاميًا اسم «فيرن»، وامتدت لمسافة تقارب 3 آلاف كيلومتر، وجمعت في نظام جوي واحد بين ثلوج كثيفة في الشمال والشرق، ومزيج من الثلج الحبيبي والمطر المتجمد في الوسط والجنوب.
ويُعد هذا النوع من العواصف من أخطر ظواهر الشتاء، إذ لا يقتصر تأثيره على تساقط الثلوج وحدها، بل يمتد إلى تراكم الجليد على الأسلاك والأشجار، إضافة إلى استمرار البرودة القاسية التي تطيل أمد انقطاع الخدمات الأساسية.
وحتى الآن، سُجّل مزيج من الخسائر البشرية والاضطرابات الواسعة في البنية التحتية، حيث أفادت صحيفة الغارديان بوفاة سبعة أشخاص على الأقل، بينهم حالتا وفاة نتيجة انخفاض شديد في درجات الحرارة بولاية لويزيانا، وخمس وفيات في نيويورك عُثر عليهم في أماكن مفتوحة خلال موجة البرد القارس.
كما شهدت عدة ولايات انقطاعًا واسعًا للتيار الكهربائي، حيث تجاوز عدد المتأثرين مليون شخص في ذروة العاصفة، مع أعداد كبيرة من الانقطاعات في ولايات تينيسي وميسيسيبي ولويزيانا وغيرها. وتسببت العاصفة أيضًا في إلغاء أكثر من 10 آلاف رحلة جوية خلال يوم واحد، إلى جانب موجة كبيرة من الإلغاءات التي سبقت ذلك، في ظل إعلان حالات طوارئ في عدد من الولايات.
ما الأسباب العلمية؟
علميًا، تتغذّى هذه العواصف الكبيرة عادة على تصادم كتلتين هوائيتين:
الأولى هواء قطبي شديد البرودة يندفع جنوبًا عبر تموجات قوية في مسار التيار النفاث، ما يؤدي إلى تكوّن ما يُعرف بـ«خزان البرودة» قرب سطح الأرض.
أما الثانية فهي هواء دافئ رطب قادم من خليج المكسيك والمحيط الأطلسي، يصعد فوق طبقة الهواء البارد القريبة من السطح على امتداد الجبهات الجوية.
ويؤدي هذا التصادم إلى تكوين ما يُعرف في علم الأرصاد بـ**«مصنع الرطوبة والطاقة»**، وهو منطقة ذات تدرج حراري قوي، تمثل شريطًا واسعًا في الغلاف الجوي يلتقي فيه الهواء البارد والدافئ على مسافة قصيرة نسبيًا، ما يخلق فرقًا كبيرًا في درجات الحرارة أفقياً، مع تغيّر ملحوظ في اتجاه وسرعة الرياح مع الارتفاع.
هذا التناقض الحراري يكوّن مخزونًا ضخمًا من الطاقة يمكن للغلاف الجوي تحويله إلى حركة نشطة تسهم في توليد العواصف خارج المدارية.
ولا يقتصر الفيصل على حرارة السطح فقط، بل على البنية الحرارية العمودية للغلاف الجوي. فإذا بقيت درجات الحرارة تحت الصفر من السحابة حتى سطح الأرض، يتساقط الثلج ويصل إلى الأرض على هيئته الثلجية.
أما إذا ذاب الثلج في طبقة دافئة أعلى، ثم عاد عبر طبقة باردة عميقة قرب الأرض، فتتكوّن حبيبات الجليد.
وفي حال ذاب الثلج في طبقة دافئة، ثم مرّ عبر طبقة باردة سطحية رقيقة جدًا لا تكفي لإعادة تجمّده في الهواء، فإنه يصل إلى الأرض على شكل مطر فائق التبريد، ويتجمّد فور ملامسته الطرق والأسلاك.
ويعتقد فريق من العلماء أن هذا النوع من الظواهر الجوية بدأ يزداد حدّة بسبب تغيّر المناخ، إذ إن الغلاف الجوي الأكثر دفئًا — نتيجة الاحترار العالمي — قادر على حمل كميات أكبر من بخار الماء، ما يرفع احتمالات حدوث هطولات ثلجية أغزر، وفي حال توفر هواء بارد كافٍ، فإن زيادة الرطوبة تعني ثلوجًا أثقل وأكثر كثافة.
ومن جانب آخر، يرى علماء أن احترار الكوكب يسهم في زيادة حالات اضطراب الدوامة القطبية، وهي منطقة ضغط منخفض شبه دائمة تدور بطريقة تشبه الإعصار فوق كل قطب، وتمتد عموديًا في طبقات الغلاف الجوي العليا، وتحتجز أسفلها كتلة كبيرة من الهواء البارد الكثيف.
وفي الظروف الطبيعية، تكون هذه الدوامات على هيئة قبة واحدة متماسكة، ما يحصر الهواء البارد داخل الدوائر القطبية.
لكن في بعض الحالات، تضعف هذه الدوامات وتنقسم إلى خليتين أو أكثر، لتبدأ بالتحرك بعيدًا عن القطبين.
وعندما تضعف الدوامة القطبية بشكل كبير، يمكن أن تتفتت على نحو يسمح للهواء القطبي بالسفر جنوبًا إلى مناطق أعمق، وصولًا إلى دول مثل الولايات المتحدة، أو حتى إلى شمال أفريقيا وبعض مناطق العالم العربي.
