جون جبور يعقوب
ليس أكثر رمزية في الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي من مشهد مستوطن يدخل بيتًا فلسطينيًا، يعلّق علمًا، ويُعلن بثقة: «هذا بيتي». هذا المشهد ليس استثناءً ولا تصرّفًا فرديًا، بل خلاصة مشروع استيطاني طويل حوّل الاقتلاع إلى سياسة، والنهب إلى تشريع، والاحتلال إلى "واقع قانوني" تحميه المحاكم.
من النكبة إلى اليوم: السكن فوق الذاكرة
عام 1948، ومع قيام دولة إسرائيل، هُجِّر قسرًا نحو 750 ألف فلسطيني، ودُمّرت أو أُفرغت أكثر من 500 قرية فلسطينية، فيما جرى الاستيلاء على آلاف المنازل الجاهزة للسكن في المدن الكبرى مثل يافا وحيفا واللد والرملة (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 194، 11 ديسمبر 1948؛ إيلان بابِه، التطهير العرقي في فلسطين، 2006). لم تكن عمليات الطرد هذه عشوائية أو عَرَضية؛ بل جاءت ضمن خطة واضحة لمنع السكان الأصليين من العودة إلى بيوتهم، وهو ما وثّقته مصادر تاريخية إسرائيلية، بينها تصريحات لدافيد بن غوريون نفسه، نقلها مؤرخون إسرائيليون لاحقًا (بني موريس، The Birth of the Palestinian Refugee Problem Revisited، 2004).
السرقة المقنّنة: قانون أملاك الغائبين
في عام 1950، أقرّ الكنيست الإسرائيلي قانون أملاك الغائبين، الذي اعتبر الفلسطيني "غائبًا" عن ملكه إذا لم يكن موجودًا فيه لحظة إعلان الدولة، حتى لو كان داخل فلسطين نفسها (Absentees’ Property Law، 14 مارس 1950). وبموجب هذا القانون، نُقلت ملكية آلاف المنازل إلى ما سُمّي "حارس أملاك الغائبين"، ثم إلى الدولة الإسرائيلية أو المؤسسات الاستيطانية. وتشير تقارير حقوقية إلى أن هذا القانون شكّل الأساس لمصادرة أكثر من 70% من أراضي الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948، وتحويل بيوتهم إلى مساكن لمهاجرين يهود (BADIL، Israeli Land Grab and Forced Population Transfer، 2015).
القدس: قضاء بوجه واحد
وبعد احتلال القدس الشرقية عام 1967، فُتح باب جديد للاستيلاء المنهجي على المنازل الفلسطينية، عبر السماح لليهود بالمطالبة بأملاك قالوا إنها تعود إلى ما قبل عام 1948، مقابل منع الفلسطينيين من المطالبة بمنازلهم في القدس الغربية أو داخل إسرائيل (قرار مجلس الأمن 242، 22 نوفمبر 1967). وهكذا تحوّلت أحياء مثل الشيخ جرّاح وسلوان إلى ساحات مواجهة قانونية غير متكافئة؛ حيث تُصدر المحاكم الإسرائيلية قرارات إخلاء بحق عائلات فلسطينية مُقيمة منذ عقود، لصالح جمعيات استيطانية خاصة، في مخالفة صريحة للقانون الدولي (تقارير OCHA حول الإخلاءات في القدس الشرقية، 2010–2024).
الضفة الغربية: القوة العارية
وفي الضفة الغربية المحتلة، غالبًا ما يتم الاستيلاء على المنازل الفلسطينية بذرائع أمنية أو بأوامر عسكرية، أو عبر تصنيف الأراضي على أنها "أراضي دولة". وخلال الاجتياحات العسكرية، حُوِّلت منازل فلسطينية إلى مواقع عسكرية مؤقتة، ثم إلى بؤر استيطانية دائمة، خصوصًا في مدينة الخليل ومحيطها. جنود إسرائيليون سابقون اعترفوا، في شهاداتهم الموثّقة، بإخراج عائلات فلسطينية من منازلها بالقوة واستخدام هذه البيوت لأغراض عسكرية، أحيانًا لأسابيع متواصلة (منظمة كسر الصمت، شهادات منشورة بين 2004–2022).
القانون الدولي: إدانة بلا أسنان
يحظر القانون الدولي الإنساني بشكل واضح نقل سكان الدولة المحتلة إلى الأراضي المحتلة، وفق اتفاقية جنيف الرابعة، وهو ما أكده مجلس الأمن الدولي في قراره 2334 الصادر في 23 ديسمبر 2016، والذي اعتبر المستوطنات الإسرائيلية "غير شرعية". كما أكدت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في 9 يوليو 2004، عدم قانونية الاستيطان والجدار الفاصل، واعتبرت أن السياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة تنتهك التزامات إسرائيل كقوة احتلال (محكمة العدل الدولية، 2004). ورغم ذلك، تستمر هذه السياسات في ظل غياب أي آلية دولية فاعلة للمحاسبة، ما يجعل الإدانة القانونية بلا أثر عملي.
وبالخلاصة.. الإسرائيليون لا يسكنون منازل الفلسطينيين بسبب نقص السكن؛ بل لأنَّ المشروع الاستيطاني قام، ولا يزال، على مبدأ إزاحة صاحب البيت، ثم شرعنة هذا الإقصاء بالقوة والقانون معًا. ما يجري ليس نزاعًا عقاريًا؛ بل اقتلاع ممنهج لشعب من أرضه، بيتًا بيتًا، وذاكرةً ذاكرةً، في واحدةٍ من أطول حالات الاحتلال والاستيطان في العصر الحديث. فهل من ضمير أو عدالة دولية لإعادة الحقوق لأصحابها؟ وهل تعلم أنه بالأخير العدالة السماوية ستنتصر للحق مهما علا شأن الظالم؟
