النازية الترامبية.. تقهقر داخلي وصلافة في الخارج

 

 

د. يوسف الشامسي **

 

لا تخطئ ذاكرة التاريخ في استحضار طرائق وأساليب الأنظمة الشمولية عند استعراضها اليوم العنجهية الترامبية لتجدها متشابهة حد التطابق، ابتداء من فترته الأولى والتشكيك في نتائج الانتخابات والسعي لترويض القضاء ومهاجمة وسائل الإعلام، وليس انتهاء بقمع المظاهرات المعارضة للصهيونية، وحملات الترحيل، وتوجيه وكالة إنفاذ قوانين الهجرة (ICE) لاستخدام أقصى درجات العنف، والتهديد بتفعيل "قانون التمرد" ونشر الجيش الفيدرالي لمنع المظاهرات!

هذا في الداخل، أما في السياسة الخارجية فحدّث عن "النازي الجديد" ولا حرج، فتطاوله على القانون الدولي وتغذيته للصراعات واختطافه رئيس فينزويلا، وابتزازه أوروبا للاستحواذ على جرينلاند، وخوضه حروبا بالوكالة لحماية إسرائيل، وتبنيه "مبدأ مونرو" التوسعي باعتبار العالم ساحات نفوذ مفتوحة أمام القوة الأميركية، كلها عناصر تشبه بل وتطابق الأساليب النازية في المراحل الأولى من صعودها إلى السلطة.

نجد على سبيل المثال تماهي الأساليب النازية في سعى ترامب على مدار عام من رئاسته الثانية لـ"تطويع" الجهاز الفيدرالي، والاستخبارات، والجيش، والبيروقراطية الأمريكية كي تصبح كلها أدوات منقادة لحركته السياسية، وهو- وفق الكاتب تيرنس بيني مؤلف كتاب "عدو الشعب: صحيفة ميونيخ بوست والصحفيون الذين عارضوا هتلر"- يُذكِّرُنا بمحاولة النظام النازي إجبار كل المؤسسات والمجتمع على التماشي مع إرادة هتلر. غير أن محاولات ترامب لتقويض أركان المؤسسة الديمقراطية الأمريكية ما تزال فاشلة؛ إذ تُظهر استطلاعات الرأي الحديثة، حسب تقرير وكالة أسوشييتد برس قبل أيام- تراجعًا كبيرًا في شعبية ترامب، خاصة في القضايا المحورية التي يعتمد عليها الناخبون. ففيما يتعلق بالاقتصاد- الذي كان يُعتبر نقطة قوة لإدارته- انخفضت نسبة الموافقة على أدائه انخفاضًا ملحوظًا. كما أن سياساته في الهجرة والعلاقات الخارجية تواجه معارضة متزايدة؛ حيث يعتبر كثيرون- بحسب الاستطلاع ذاته- أن قرارات ترامب في هذه المجالات زادت من حدة الانقسامات الداخلية وأضعفت مكانة أمريكا العالمية.. هذه البيئة الداخلية الهشة تدفع ترامب إلى البحث عن إنجازات خارجية تعوض عن فشله الداخلي ولو عن طريق ابتزاز "عملائه" في الخارج والسطو على "جائزة نوبل للسلام"!

وحتى على مستوى الخطاب، لا ينفك ترامب من إبراز تلك النزعة العنصرية المتطرفة في تغريداته المستفزة بمنصته وفي تصريحاته الإعلامية، ففي حواره الأخير مع صحيفة نيويورك تايمز حينما سئل عن شرعية تدخلات حكومته في فينزويلا، أجاب بكل صفاقة: “أنا لا أحتاج إلى القانون الدولي… أنا لست هنا لأؤذي الناس"! هذه التبريرات- التي لا تخلو من نظرة استعلائية ونرجسية فجّة- لاستخدام القوة دون التفات إلى المعايير الدولية، تكشف تلك النزعة القومية الاستبدادية الشبيهة للسياسات التي استخدمتها ألمانيا النازية لتبرير غزو دول أوروبا المجاورة.

وتتجلى مؤخرا صلافة ترامب النيو-نازية في اقتراحه الأخير بتشكيل "مجلس غزة للسلام" برئاسة أمريكا وحلفائها في المنطقة. هذه الخطوة المستفزة تتجاهل تمامًا حقوق أهل الأرض الذي تعرّضوا وما يزالون يكابدون إبادة لم يعهد لها التاريخ الحديث مثيلا، وبتواطؤ الأقارب والأبعاد، ثم أن هذا المجلس يكرس الهيمنة الإسرائيلية، ويجعل من ترامب- الشريك للصهاينة في إبادتهم لغزة- وحده المتحكّم في المنطقة. هذا النهج يعكس رؤية ترامب للعلاقات الدولية كمعاملات تجارية بحتة، إذ يتجاهل المبادئ الأخلاقية والقانون الدولي لمآرب الإمبريالية الصهيوأمريكية ومصالحها وفق مقاسات ترامب فحسب.

ومع ذلك، ما تزال بعض القوى العربية والإسلامية تتعامل مع الواقع الصهيو-أمريكي الجديد بسذاجة- إن أحسنّا النيّة- مثيرة للقلق، فعوضًا من قراءة التاريخ والوقائع وتحولات موازين القوى، تستمر هذه الدول في نهج التبعية والاستسلام لإملاءات القوة والخضوع باسم "التحالف" و"التشارك" مع عدوّ متربّص مجاهر، وتوافق على الانخراط في "مجلس الاستسلام" المزعوم لتسليم الأراضي المقدسة لقمة سائغة له. ولا ندري متى يدرك هؤلاء التحولات الخطيرة في السياسة الترامبية التي باتت تشكل تهديدًا محدقا للاستقرار الدولي كله لا في الشرق الأوسط فحسب.

** أكاديمي بقسم الإعلام الجماهيري بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بنزوى

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z