خالد بن سالم الغساني
مع صدور المرسومين السلطانيين الساميين بشأن المصادقة على ميزانية الدولة للسنة المالية 2026، واعتماد الخطة الخمسية الحادية عشرة (2026-2030)، تؤكد سلطنة عُمان دخول مرحلة جديدة من التنفيذ الفعلي لأهداف رؤية عُمان 2040.
هذه المرحلة التي تتميز بالتركيز على الاستدامة المالية، وتعزيز التنويع الاقتصادي، وتقوية شبكة الحماية الاجتماعية لكل مواطن، ما يؤكد أن الرؤية الوطنية قد أصبحت خارطة طريق تُنفذ بخطى ثابتة وإرادة حازمة نحو مُستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا.
لقد حققت سلطنة عُمان خلال السنوات الماضية، إصلاحات مالية وهيكلية بارزة شملت إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وخفض الدين العام تدريجيًا، مع الحفاظ على شبكة أمان اجتماعي قوية. ومن أبرز هذه الإنجازات، تحسين إدارة الدعم الحكومي بطريقة تقلل الهدر المالي، وتوجيه الاستثمارات العامة نحو القطاعات الحيوية، وضبط الإنفاق الرأسمالي بما يتوافق مع أولويات التنمية الوطنية. وقليلة هي الدول التي استطاعت تحقيقها دون أن يتأثر مستوى المعيشة أو الاستقرار الاجتماعي.
ميزانية عام 2026 كما هو مُبيَّن، تمنح الدولة هامش أمان اقتصادي كبير في مواجهة أي تقلبات محتملة، وتؤكد استمرار النهج الإصلاحي مع إبراز الجانب الاجتماعي كأولوية قصوى. ومن أبرز مؤشرات هذه السياسة: الالتزام بعدم المساس بالدعم الأساسي، واستمرار دعم الوقود والكهرباء والمياه، مع رفع مخصصات الحماية الاجتماعية إلى 614 مليون ريال عُماني، وهو ما يمثل قفزة نوعية تعكس استثمار الدولة في استقرار المواطنين كركيزة أساسية للنمو المستدام.
وفي الوقت ذاته، يتطلع المواطن العُماني الى إمكانية إعادة جدولة هذه الخدمات الأساسية مستقبلًا لتتناسب أكثر مع مستوى معيشته وتحسين أوضاعه الحياتية، وبما يعزز مبدأ العدالة في توزيع الدعم ويضمن استدامة الموارد دون التأثير على حياة ومعيشة أفراد المجتمع. كما تشجع الميزانية على تعزيز برامج التدريب المهني وتنمية المهارات بين الشباب العُماني لضمان جاهزيتهم لسوق العمل المستقبلي.
وفيما يتعلق بالتوظيف، تحمل الخطة الخمسية الحادية عشرة توقعات طموحة بتوفير أكثر من 300 ألف فرصة عمل خلال السنوات الخمس المُقبلة، مع التركيز على القطاع الخاص والمشاريع التنموية الكبرى كمحركٍ رئيسي للنمو؛ بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على الوظائف الحكومية. ويكتسب ملف التوظيف أهمية قصوى في المرحلة الحالية؛ حيث يشكل ضمان وصول هذه الفرص إلى أرض الواقع أحد أبرز التحديات الوطنية. والحرص على توفير فرص العمل المُعلنة فعليًا، وبشكل يتناسب مع مهارات الشباب واحتياجات سوق العمل، يعد ركيزة أساسية لترسيخ الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وتحقيق أهداف التنمية المنشودة. وهذا التوجه يعكس إدراكاً عميقاً بأنَّ التنمية الحقيقية تتطلب تمكين القطاع الخاص ليصبح شريكًا فاعلًا في خلق الوظائف والقيمة الاقتصادية، مع توفير بيئة داعمة للشركات الصغيرة والمتوسطة لتشكل هي الأخرى جزءًا فاعلًا في الحركة الاقتصادية. كما يلفت الانتباه أهمية القطاعات الواعدة في تعزيز التنويع الاقتصادي، ومنها السياحة واللوجستيات والطاقة المتجددة والصناعات التحويلية.
والاستثمار في هذه القطاعات لا يقل أهمية عن المشاريع الكبرى، لأنه يضمن توظيف الموارد الوطنية بطريقة مستدامة ويخلق فرصًا جديدة للمواطنين، مع تقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية التقليدية.
هذه المؤشرات مجتمعةً؛ استمرار الدعم، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتحقيق فرص التوظيف على أرض الواقع، كلها تُشكِّل رسالةً واضحةً بأن سلطنة عُمان دخلت مرحلة جديدة من الثقة بالنفس والقدرة على المضي قدمًا. وقد أثبتت السنوات الماضية أن الإصلاحات الصعبة، إذا أُديرت بحكمة وشفافية، لا تؤدي بالضرورة إلى أزمات، بل يمكن أن تُفضي إلى أساس أقوى للنمو المستقبلي.
ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه الخطط والتطلعات إلى واقع ملموس يشعر به كل مواطن. كل فرصة عمل جديدة تعني شابًا عُمانيًا بدأ بناء مستقبله، وأسرة اكتسبت استقرارًا اقتصاديًا أكبر. كما يبقى التنويع الاقتصادي في القطاعات الواعدة ضرورة لضمان أن تصبح الموارد التقليدية عنصر دعم وليس المصدر الوحيد للاقتصاد الوطني.
وتأتي هذه التحولات المتسارعة بالتزامن مع مرور ست سنوات على تولي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- مقاليد الحكم، وهي سنوات اتسمت بالهدوء والحكمة، وبإدارة دقيقة لمرحلة مليئة بالتحديات الإقليمية والاقتصادية. فمنذ اليوم الأول، وضع جلالته أسس دولة المؤسسات، وأطلق رؤية "عُمان 2040" كإطار استراتيجي شامل، وقاد إصلاحات مالية واقتصادية متوازنة جمعت بين الجرأة في القرار والحرص على استقرار المجتمع. وقد أثبتت هذه السنوات أن النهج الذي اختاره جلالته يقوم على التخطيط بعيد المدى، وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن، وترسيخ مفهوم التنمية المستدامة كخيار وطني لا يرتبط بظرف آنيٍ؛ بل بمستقبل أجيال قادمة
إنَّ ميزانية 2026 والخطة الخمسية الحادية عشرة، تعبير عن رؤية وطنية متكاملة تجمع بين المسؤولية المالية والعدالة الاجتماعية، والطموح التنموي. الطريق الذي سلكته السلطنة يمنح الثقة بأن المستقبل يحمل مزيدًا من القوة والاستقرار، والمسؤولية الآن مشتركة بين الحكومة والقطاع الخاص والمواطنين لبناء عُمان أكثر ازدهارًا خطوة بخطوة.
