◄ الخصيبي: نحتاج إلى دعم ذكي يركز على التنافسية والإنتاجية والابتكار
◄ العاصمي: التنافسية تتطلب خلق بيئة لتحسين جودة وكفاءة المنتح المحلي
◄ الرحبي: يجب الانتقال من سياسات الدعم إلى تبني برامج عملية للتأهيل للأسواق العالمية
◄ تأكيد أهمية التكامل الفعلي بين السياسات والتشريعات والتطبيقات العملية
◄ ضرورة تعزيز الربط بين الموردين المحليين والشركات العالمية وسلاسل الإمداد العابرة للحدود
◄ الشراكة المتدرجة النموذج الأمثل لربط المورد والمصنع المحلي بالشركات العالمية
الرؤية- ريم الحامدية
أكد عدد من المختصين أهمية التكامل الفعلي بين السياسات والتشريعات والتطبيقات العملية لتطوير المحتوى المحلي ضمن سلاسل القيمة العالمية، إلى جانب التركيز على الجودة وبناء القدرات وربط المورد المحلي بالفرص الإقليمية والدولية لتحقيق الأثر الاقتصادي المستدام.
وأشار المختصون- في حلقة نقاشية بمجموعة "قيمة" المتخصصة في المحتوى المحلي والقيمة المحلية المضافة، إلى أن التحديات التي تواجه المنتج العُماني في النفاذ إلى الأسواق الخارجية، تتضمن ارتفاع تكاليف التشغيل، وتعدد المواصفات والمعايير الدولية، وضعف الطلب طويل الأجل، إلى جانب محدودية السوق المحلي وما يترتب عليها من تأثير مباشر في كفاءة تشغيل المصانع والقدرة على المنافسة السعرية. كما تحدثوا عن خلال الحلقة النقاشية عن آليات تعزيز اندماج الموردين والمصنّعين العمانيين في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية، وعن اتفاقية الشراكة بين سلطنة عُمان وجمهورية الهند كنموذج تطبيقي، مؤكدين أن الاتفاقيات التجارية تمثل فرصًا مهمة للمورد المحلي، غير أن تعظيم الاستفادة منها يتطلب بيئة تشغيلية داعمة تشمل توحيد المواصفات، وتيسير الحصول على الاعتمادات الدولية، وتعزيز الربط بين الموردين المحليين والشركات العالمية وسلاسل الإمداد العابرة للحدود.
وفي تصريحات خاصة لـ"الرؤية"، قال خلفان الخصيبي، المختص في القيمة المحلية المضافة، إن تحول المحتوى المحلي إلى قوة تنافسية حقيقية داخل سلاسل القيمة الإقليمية والدولية يتطلب الانتقال من السياسات الحمائية قصيرة الأثر إلى نهج دعم ذكي يركز على التنافسية والإنتاجية والابتكار، موضحا أن هذا التحول يستدعي إعادة تصميم السياسات الاقتصادية والتشغيلية بما يمكّن الشركات المحلية من بناء قدرات مستدامة، والاندماج الفعلي في سلاسل التوريد، والمنافسة وفق معايير عالمية، بدل الاعتماد الدائم على حماية السوق المحلي.

وأشار الخصيبي إلى أن تحقيق ذلك يتم عبر تحويل الدعم من حماية غير مشروطة إلى حوافز مرتبطة بالأداء، مثل الإنتاجية والجودة والتصدير، إلى جانب الاستثمار في بناء القدرات من خلال تطوير المهارات، والتكنولوجيا، والابتكار الصناعي، مشددا على أهمية مواءمة السياسات الاقتصادية، بما يشمل التجارة والصناعة والمشتريات، ضمن إطار متكامل يخدم التنافسية، وتشجيع الاندماج في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية عبر الشراكات والتركيز على مراحل ذات قيمة مضافة أعلى.
وأضاف أنَّ اعتماد معايير أداء عالمية لقياس المورد المحلي مُقابل المنافسين الدوليين يُعد عاملًا أساسيًا لتحفيز التحسين المستمر، إلى جانب إعادة تصميم الدعم الحكومي ليكون مشروطًا بتحقيق نتائج قابلة للقياس، مثل خفض التكلفة، وتحسين الجودة، أو الدخول إلى أسواق تصديرية، مؤكدا أهمية استخدام المشتريات الحكومية كأداة تطوير تنافسي عبر تفضيل الموردين الذين يحققون قيمة مضافة فعلية، وليس لمجرد كونهم محليين.
وبيّن الخصيبي أن الاستثمار المنهجي في بناء القدرات، سواء في المهارات الفنية أو الإدارة الصناعية أو التحول الرقمي والامتثال للمعايير الدولية، يُمثل ركيزة أساسية، إلى جانب تحفيز الابتكار والبحث والتطوير عبر حوافز ضريبية وتمويل موجه للمنتجات والخدمات ذات القيمة المضافة العالية، كما دعا إلى تشجيع الشراكات مع الشركات الإقليمية والعالمية لنقل المعرفة والتكنولوجيا ودمج المورد المحلي في سلاسل القيمة، وتعزيز التنسيق بين السياسات الاقتصادية، بما يشمل التجارة والصناعة وقطاع التعليم والتمويل، مع مراجعة دورية لسياسات المحتوى المحلي لضمان رفع التنافسية وعدم خلق اعتماد طويل الأجل على الدعم.
وفيما يتعلق بالاتفاقيات التجارية الدولية، أوضح الخصيبي أن تحويلها من فرص نظرية إلى أدوات عملية يتطلب ربطها بالسياسات الصناعية والتنفيذية، بما يفتح أسواقًا حقيقية للمنتج المحلي ويدعم الاستثمارات طويلة الأجل، بدلا من أن تبقى مجرد إعفاءات جمركية دون أثر اقتصادي ملموس، مؤكدا أهمية تحويل كل اتفاقية تجارية إلى خارطة فرص قطاعية واضحة تحدد المنتجات والأسواق والمعايير والتوقيت، وربط الدعم الصناعي والتمويلي بتحقيق صادرات فعلية للأسواق المشمولة بالاتفاقيات.
ولفت الخصيبي إلى ضرورة تأهيل المنتج المحلي للنفاذ إلى الأسواق عبر المواصفات وشهادات المطابقة وقواعد المنشأ، واستخدام الاتفاقيات لجذب استثمارات إنتاجية مشتركة تخلق طلبًا طويل الأجل على المدخلات المحلية، إلى جانب دمج الاتفاقيات مع سياسات سلاسل القيمة المحلية المضافة بدلا من التركيز على إحلال الواردات فقط، مشددا على أهمية توفير أدوات تمويل وتأمين الصادرات لتقليل مخاطر الدخول إلى الأسواق الجديدة، وقياس أثر الاتفاقيات بمؤشرات عملية مثل نمو الصادرات والعقود طويلة الأجل وتوسع سلاسل التوريد، إضافة إلى تفعيل دور غرفة تجارة وصناعة عُمان في ربط المستثمرين من الدول الصديقة بالمصانع المحلية.
وعن النموذج الأمثل لربط المورد والمُصنِّع المحلي بالشركات العالمية، أوضح الخصيبي أن النموذج الأكثر فاعلية يتمثل في الشراكة المتدرجة داخل سلاسل القيمة، حيث تقوم على حوافز والتزامات متبادلة ونقل معرفي منظم، وليس على التوريد التقليدي القائم على السعر فقط، مشيرا إلى أن ذلك يتحقق من خلال شراكات طويلة الأجل بدل عقود التوريد القصيرة، وتوقيع اتفاقيات متعددة السنوات تبرر استثمارات نقل التقنية والتدريب، معتبرًا أن الاستقرار التعاقدي شرط أساسي لنقل المعرفة.
وحول المخاطر الاقتصادية لتوسيع اندماج المحتوى المحلي في سلاسل القيمة العالمية دون جاهزية كافية، حذّر الخصيبي من أن ذلك قد يحقق فوائد سريعة على المدى القصير، لكنه يحمل مخاطر حقيقية على استدامة الاستثمار المحلي.
وأوضح أنَّ من أبرز هذه المخاطر حصر المورد المحلي في أدوار منخفضة القيمة مثل التوريد البسيط أو التجميع دون انتقال فعلي للمعرفة أو التقنية، وتعرض الاستثمارات المحلية لضغوط تنافسية من شركات عالمية أعلى كفاءة قبل اكتمال بناء القدرات الإنتاجية، إضافة إلى استنزاف القيمة المحلية المضافة خارج الاقتصاد المحلي، وضعف استقرار المورد المحلي نتيجة الاعتماد على شركاء أو عقود محدودة وتقلب سلاسل التوريد.
وأكد الخصيبي أن تحقيق التوازن بين الانفتاح التجاري وحماية الاستثمار المحلي يتطلب انفتاحًا تدريجيًا ومشروطًا بالجاهزية، بحيث يرتبط التوسع في الاندماج بتحقيق مؤشرات أداء واضحة، إلى جانب حماية ذكية ومؤقتة تركز على رفع الكفاءة وبناء القدرات لا على الحواجز الدائمة، مشددا على ضرورة اشتراط نقل المعرفة والتقنية ضمن الشراكات والعقود مع الشركات العالمية، والتركيز على مراحل مختارة من سلسلة القيمة المحلية المضافة تتوافق مع الميزة النسبية المحلية بدل توطين السلسلة كاملة، بما يُعظّم الأثر الاقتصادي بأقل تكلفة وأسرع وقت.
وأكد الخصيبي أهمية ربط التفضيل المحلي بتحسين الإنتاجية والجودة والتكلفة، وليس بالصفة المحلية فقط، مع المُراجعة الدورية لسياسات المحتوى المحلي لضمان بقائها أداة لرفع الكفاءة والتنافسية، لا سببًا لاعتماد دائم على الدعم، بما يتيح تصحيح المسار مبكرًا مع تغيّر ظروف السوق ويحفز الشركات المحلية على التطور الذاتي والمنافسة المستدامة
وفي السياق، قال عزان العاصمي، مدير مجموعة هيما للطاقة، إن الانتقال بالمحتوى المحلي من الاعتماد على الحماية والدعم المباشر إلى التنافسية الذاتية داخل سلاسل القيمة الإقليمية والدولية أصبح ضرورة اقتصادية، لا سيما في الأسواق محدودة الحجم، حيث تعد سياسات الحماية مثل الرسوم الجمركية وأفضليات الشراء المحلي أدوات مُؤقتة لا يُمكن التعويل عليها على المدى الطويل، موضحا أن التحول الحقيقي يتطلب تبني سياسات تمكينية مشروطة بالأداء، وفي مقدمتها ربط الدعم الحكومي بتحقيق مؤشرات قابلة للقياس، مثل خفض كلفة الوحدة، وزيادة القيمة المضافة، واختراق أسواق التصدير، خصوصًا مع الدول التي ترتبط معها السلطنة باتفاقيات إلغاء الضرائب.

وأضاف أن تحفيز ما يُعرف بـ"التخصص الذكي" يمثل أحد المسارات الفاعلة، من خلال التركيز على حلقات محددة من سلسلة القيمة تمتلك فيها الدولة ميزة نسبية، كالخدمات الهندسية، والتشغيل، والصيانة، والمكونات المتخصصة، بما يخدم السوق المحلي ويمنح المنتج المحلي أهمية في السوق العالمية في الوقت ذاته، مشيرا إلى أن تخفيض كلفة عوامل الإنتاج غير التجارية، مثل الطاقة، والتمويل، واللوجستيات، والامتثال التنظيمي، يعد عنصرًا حاسمًا، نظرا لأن هذه التكاليف تمثل عبئا أكبر من المنافسة السعرية نفسها، إلى جانب أهمية دمج المحتوى المحلي ضمن طلب مؤسسي طويل الأجل، عبر عقود إطارية مع المشاريع الكبرى في قطاعات الطاقة والبنية الأساسية، بما يوفر حجما كافيا للاستثمار والتطوير، وخلص إلى أن التنافسية لا تبنى بالحماية، بل بخلق بيئة تجبر المنتج المحلي على تحسين الكفاءة ضمن إطار زمني واضح ودعم مستمر.
وفيما يخص الاتفاقيات التجارية، أكد العاصمي أن كثيرا منها يبقى إطارا قانونيا غير مستغل نتيجة ضعف الجاهزية الصناعية أو غياب التنسيق المؤسسي، مبينا أن تحويل هذه الاتفاقيات من فرص إلى طلب فعلي يتطلب مواءمة السياسات الصناعية مع بنود الاتفاقيات، من خلال تحديد المنتجات والقطاعات التي تتمتع بنفاذ تفضيلي حقيقي، وتوجيه الاستثمارات والحوافز نحوها.
وأضاف أن بناء منصات تصدير متكاملة تشمل التمويل، والتأمين، والامتثال الفني، والدعم اللوجستي، أصبح ضرورة بدلا من ترك المصنع المحلي يواجه الأسواق الخارجية منفردًا، داعيا إلى استخدام الاتفاقيات كأداة لجذب استثمار أجنبي نوعي، عبر اشتراط التصدير من داخل الدولة للاستفادة من المزايا التفضيلية، إذ إن الاتفاقيات لا تخدم الصناعات القادرة على التخطيط طويل الأجل إلا إذا كانت مصحوبة برؤية صناعية تمتد من 10 إلى 15 عامًا، كما أن الاتفاقيات لا تخلق الطلب تلقائيا، لكنها تتحول إلى أداة قوية عندما تدمج في سياسة صناعية واضحة وموجهة.
وعن نموذج الربط مع الشركات العالمية، أشار العاصمي إلى أن أحد أبرز الاختلالات يتمثل في اختزال دور المورد المحلي في التوريد منخفض الهامش دون نقل معرفة أو تقنية، موضحا أن النموذج الأمثل يقوم على عقود شراكة قائمة على القيمة لا السعر فقط، تشمل التدريب، ونقل العمليات، والتطوير المشترك.
وبين العاصمي أن تطبيق سياسة المحتوى المحلي المتدرج يعد مسارا عمليا، حيث تبدأ الشراكات بمرحلة التجميع أو التشغيل، ثم تنتقل تدريجيًا إلى التصنيع الجزئي، فالتصميم، وصولًا إلى التطوير، مشددا على أهمية إنشاء منصات تكامل صناعي أو تجمعات صناعية، تتواجد فيها الشركات العالمية والمحلية ضمن بيئة واحدة، بما يسرّع التعلم ونقل المعرفة غير الرسمية المتعلقة بالتقنيات وأساليب العمل المتبعة في الصناعات الخارجية.
وأكد ضرورة تحفيز الشركات العالمية على توطين وظائف المعرفة، مثل الهندسة والاختبار والتحسين المستمر، وعدم الاكتفاء بالتوريد فقط، موضحًا أن الاندماج الناجح لا يُقاس بكمية ما يُورَّد، بل بما يتم تعلمه وبأي جزء من القيمة يتم امتلاكه.
وفيما يتعلق بمخاطر الاندماج غير الجاهز في سلاسل القيمة العالمية، حذّر العاصمي من أن الانفتاح السريع دون جاهزية يحمل مخاطر حقيقية، أبرزها تحول المورد المحلي إلى تابع دائم بهوامش منخفضة وقدرة تفاوضية ضعيفة، وتزاحم الاستيراد مع الإنتاج المحلي بما يؤدي إلى إغلاق مصانع قبل بلوغها مرحلة الكفاءة، إضافة إلى فشل الاستثمارات طويلة الأجل نتيجة تقلب الطلب أو المنافسة غير المتكافئة بين الموردين والمصنّعين.
وأكد العاصمي على أن الانتقال بالمحتوى المحلي من الاعتماد على الدعم إلى التنافسية العالمية يعد مشروعا اقتصاديا متكاملا، يتطلب سياسة صناعية ذكية ومحددة، وشراكات استراتيجية حقيقية، وانفتاحا تجاريا محسوبا، إلى جانب مؤسسات قادرة على القياس والتصحيح لضمان الاستدامة والأثر الاقتصادي طويل الأجل.
بدوره، قال ناصر الرحبي، مدير القيمة المحلية المضافة بالشركة الوطنية للإنشاءات، إن سياسات الدعم والحماية الحكومية يجب أن تنتقل من مجرد سن القوانين والتشريعات إلى تبني برامج عملية للتأهيل والتدريب، تستهدف تمكين الموردين والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بما يؤهلها للبقاء والاستمرار والنمو داخل السوق المحلي والانطلاق نحو الأسواق الخارجية.

وأوضح الرحبي أن هذه البرامج ينبغي ألا تقتصر على التدريب فقط، بل يجب أن تتضمن أنظمة قياس ومتابعة واضحة تضمن تنفيذ الخطط والمشاريع التأهيلية وفق أهداف محددة، إلى جانب برامج مصاحبة تتيح للمؤسسات المشاركة في المعارض والفعاليات داخل الدولة وخارجها، وتنظيم زيارات مباشرة للمصنّعين، بما يفتح المجال أمام فرص الشراكات الدولية ويعزز جاهزية المورد المحلي للاندماج في سلاسل القيمة.
وفيما يتعلق بتطبيق المحتوى المحلي ضمن الاتفاقيات الدولية، أشار الرحبي إلى أن هذا التطبيق لا يمكن أن يكون من طرف واحد فقط، مؤكدًا ضرورة تحقيق منافع متبادلة لكلا الطرفين. وأضاف أن العقود والاتفاقيات يجب أن تتضمن بنودا تحفيزية تمنح المستثمرين الأجانب مزايا في حال التزامهم بالمحتوى المحلي، مثل الإعفاءات أو التخفيضات في الرسوم، أو الاستثناءات في أنظمة الإقامة والعمل، بما يعزز جاذبية الاستثمار ويحقق أهداف التوطين في الوقت ذاته.
وحول المخاطر المرتبطة بتوسيع اندماج المحتوى المحلي في سلاسل القيمة العالمية، أشار الرحبي إلى أن أبرز هذه المخاطر تتمثل في تحديات التمويل والمخاطر المالية، إلى جانب عدم قدرة بعض الموردين على الدخول إلى هذه الأسواق في ظل غياب الجاهزية. وأكد في هذا السياق على أهمية الاستعداد المسبق لدخول هذا المجال من خلال برامج التأهيل والتدريب، إضافة إلى الزيارات المتبادلة للأسواق العالمية، بما يرفع مستوى الوعي، ويبني القدرات، ويقلل من المخاطر المرتبطة بالتوسع الخارجي
