‏بين غانم و«تشات جي بي تي»

 

 

‏حسين الراوي

‏من المخجل أن يواصل الكاتب مقالاته في أي صحيفة فقط لمجرد النشر!

جاءني غانم، ابن أخي ذو الاثني عشر عامًا، وقد لمعت في عينيه شرارة ثقةٍ طفولية وقال: «يا عمي، أستطيع أن أكون كاتبًا مثلك! أكتب وأنشر مقالات!».

تأملته بدهشةٍ مُحببة ثم ابتسمت وسألته: كيف ذلك؟ فأجاب بثقة لا تهتز: «عن طريق ChatGPT! أستطيع أن أكتب مقالًا عن الرئيس الأمريكي ترامب في أقل من دقيقة! هل تتحداني؟».

‏وقبل أن أستوعب حماسه، كان قد أصدر أمْره إلى ChatGPT. ولم تمضِ ثوانٍ حتى ظهرت أمامه عدة سطورٍ مُتفرقة، فيها شيءٌ من المعلومات وشيءٌ من الوصف… فالتفت إليّ غانم، كأنه يعلن الانتصار.

عندها فهمت أنَّ جيلًا جديدًا بدأ يتعامل مع الكتابة كما يتعامل مع الأزرار: ضغطة واحدة… وينتهي الأمر.

لكن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير.

إن الذين يعتمدون على ChatGPT اعتمادًا كبيرا أو شبه كلي في كتابة مقالاتهم، يصعب إطلاق لقب «كاتب» عليهم؛ فالكتابة ليست جمع سطور، ولا ترتيب معلومات، بل هي روحٌ وفكرةٌ وبصمةٌ لا يمكن استعارتها من آلة مهما بلغت قدرتها.

مقالات ChatGPT دائماً تخرج جامدة، بلا حرارة، بلا نبض، بلا تلك اللمسة التي يعرفها القارئ حين يقرأ لكاتبٍ حقيقي. تشبه الفرمانات العثمانية القديمة: كلامٌ مستقيم، لكنه بلا حياة.

فأين بصمة الكاتب؟ أين فكره؟ أين إحساسه؟

‏الآلة قد ترتب لك الجمل، لكنها لا تمنحك «الحبكة السحرية» التي تُنضج المقال، ولا الروح التي تجعل النص مرنًا نابضًا بالعاطفة، ولا القدرة على التقاط التفاصيل الخفية التي لا يكتبها إلا صاحب تجربة.

‏وقد تصفحتُ يومًا إحدى الصحف المحلية، فوجدت مقالات كثيرة كأنها نسخ متشابهة خرجت من آلة تفريخ واحدة. أسلوبها واضح، وترقيمها غريب، وعناوينها مكررة… مما يكشف دون لبس أنها ليست بأقلام أصحابها، بل بأصابع برنامج واحد.

والعجيب أن بعضهم لا يدرك أن لـChatGPT «نبرة» يمكن تمييزها بسهولة، وأن المقال المولّد يكشف كاتبه قبل أن ينطق.

‏إنَّ التقنية ليست عدوًا، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن الكاتب؛ فالكاتب الحقيقي هو الذي يكتب بروحه، لا بمنصة ذكاء اصطناعي. وهو الذي يصهر تجربته في جمله، ويمنح نصه حياة لا تستطيع الآلة أن تنسخها.

وهذا ما لم يُدركه غانم بعد… وربما سيُدركه حين يكبر، حين يعرف أن ضغطة زر لا تصنع كاتبًا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z