قراءة في صناعة النفط الفنزويلية

 

 

 

علي بن حمدان الرئيسي *

 

تحاول هذه المقالة النظر في صناعة النفط الفنزويلية، وما إذا كانت أحلام ترامب بالهيمنة على سوق النفط العالمية، بعد هيمنة الولايات المتحدة على فنزويلا وادعائها السيطرة على النفط الفنزويلي، أحلام واقعية أما انها فقط أحلام امبريالية؟!

بعد ساعات من قيام القوات الامريكية باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، قال الرئيس ترامب “لقد كان قطاع النفط في فنزويلا فاشلًا تمامًا لفترة طويلة". وأضاف أن أمريكا "ستنفق مليارات الدولارات، وتصلح البنية التحتية المتهالكة... وتبدأ في جني الأرباح للبلاد".

كان للتصريح طعم الانتقام؛ فقبل ثمانية عشر عامًا، في عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز، أمَّمَت فنزويلا أصولًا تابعة لشركات أمريكية وغربية أخرى؛ وقد رُفعت دعاوى قضائية بقيمة إجمالية قدرها 60 مليار دولار ضدها وضد شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA) أمام محاكم أمريكية ودولية. وقد يأتي بعض الرد بالمثل. ففي السادس من يناير 2026، صرّح ترامب بأن السلطات الفنزويلية وافقت على تسليم ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط الخام، بقيمة تصل إلى 3 مليارات دولار، إلى الولايات المتحدة. وفي اليوم التالي، قال كريس رايت وزير الطاقة الأمريكي، إن الولايات المتحدة "ستسوق النفط الخام القادم من فنزويلا... إلى أجل غير مسمى" على أن تُودع العائدات "في حسابات تسيطر عليها الحكومة الأمريكية".

لكن ترامب يريد أكثر من مجرد الانتقام. فقد تسببت عقود من نقص الاستثمار وسوء الإدارة في انخفاض إنتاج فنزويلا من النفط بمقدار الثلثين منذ أواخر العقد الأول من الألفية الثانية، ليصل إلى مليون برميل يوميًا؛ أي ما يعادل 1% فقط من الإنتاج العالمي. ويُعتقد أن إعادة تشغيل الطاقة الإنتاجية المتوقفة ستُثري فنزويلا وتُدرّ أرباحًا طائلة للولايات المتحدة. فالخام الثقيل والحامض الذي تمتلكه البلاد هو تحديدًا النوع الذي تعاني المصافي الأمريكية من نقص مزمن فيه، في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية مع كندا، الموردة لهذا النفط، توترًا. والأفضل من ذلك، أن فنزويلا تمتلك نحو 300 مليار برميل من النفط، أي خُمس احتياطيات العالم. ويرى بعض المحللين أن أمريكا قد تُسيطر قريبًا على جزء كبير من الإنتاج والاحتياطيات العالمية، ما قد يُتيح لها إبقاء أسعار النفط منخفضة إلى الأبد. بل إن أنصار ترامب يعتقدون أنها قد تكون قادرة حتى على حرمان الصين من الوقود.

غير ان الامر ليس بتلك البساطة. على المدى القريب، من المرجح أن ينخفض ​​إنتاج فنزويلا من النفط الخام بدلًا من أن ينتعش. في ديسمبر 2025، أعلنت الولايات المتحدة حصارًا على الشحنات الفنزويلية المنقولة بواسطة ناقلات مدرجة على القائمة السوداء، ثم استولت على ثلاث منها. وفي 7 يناير، استولت على اثنتين أخريين، إحداهما قرب أيسلندا، كانتا قد تحايلتا على الحظر. وتراجعت الصادرات بشكل حاد، ووصل حجم النفط الخام الفنزويلي العائم على الناقلات المتوقفة إلى أعلى مستوياته منذ سنوات. تعاني فنزويلا أيضًا من نقص في النافثا- وهي مادة مخففة تحتاجها لجعل نفطها الخام شديد اللزوجة قابلًا للنقل- والتي لم تعد تصل من روسيا. واستحواذ ترامب على 50 مليون برميل- إن حدث- سيُتيح مساحة تخزين إضافية. ولكن ما لم يُرفع الحصار، وهو أمر يعتمد على التطورات السياسية والعسكرية، فسيتعين خفض إنتاج فنزويلا بشكل أكبر، ربما إلى أقل من 700 ألف برميل يوميًا.

وحسب مجلة "ذي إيكونيميست" البريطانية فإن الإنتاج قد ينتعش في غضون أشهر قليلة إذا ما تم الانتقال السياسي بسلاسة، وإذا ما سمح رفع العقوبات الأمريكية عن فنزويلا، بما فيها الحصار، بتدفق النافثا إلى الداخل وتصديرها إلى الخارج. وقد تُسفر أعمال الصيانة والإصلاح في الآبار القائمة، إلى جانب استثمار محدود في البنية التحتية، عن زيادة الإنتاج بمقدار 300 ألف برميل يوميًا خلال عام أو عامين. ومن شأن احتمالية تحقيق مكاسب سهلة نسبيًا أن تجذب اهتمام الشركات الأمريكية الناشئة. وتسعى شركة "آموس غلوبال إنرجي"، وهي شركة لإدارة الصناديق في هيوستن، إلى جمع ملياري دولار من المستثمرين المؤسسيين للاستحواذ على أصول فنزويلية قادرة على ضخ ما بين 20 ألفًا و50 ألف برميل يوميًا.

قد تدفع تدفقات متواضعة من التكنولوجيا ورأس المال الى رفع إنتاج فنزويلا إلى 1.5 مليون برميل يوميًا بحلول نهاية عام 2027. ومع ذلك، سيظل هذا الرقم أقل بكثير من إمكانات البلاد، مما يضعها في مصاف نيجيريا، خامس عشر أكبر منتج للنفط في العالم. ولزيادة الإنتاج، ستحتاج فنزويلا إلى التغلب على ثلاث مشكلات: نقص التمويل، ونقص العمالة، وتشبع السوق.

وحسب بعض المصادر المطلعة في صناعة النفط، تحتاج فنزويلا الى 110 مليارات دولار كاستثمار رأسمالي حتى عام 2030، وذلك حتى يمكن للبلد ان تعود على انتاج نفس حصة انتاجها قبل 15 عاما. رغم أن شركة شيفرون، الشركة الأمريكية الكبرى الوحيدة المتبقية في فنزويلا، قد توافق على توسيع بعض عملياتها، إلّا أن شركات أخرى لم تنسَ آلام الماضي، ولو لمجرد أنها لا تزال تنتظر مليارات الدولارات كتعويضات تحكيمية. إن عدم الاستقرار في فنزويلا، ونظامها القانوني، ومخاطرها الأمنية، واقتصادها المتضرر، كلها عوامل تُنَفِّر معظم الشركات الأجنبية، ناهيك عن الشركات الكبرى التي بذلت جهودًا حثيثة لإعادة التركيز على فرص استثمارية أكثر أمانًا بعد انهيار سوق النفط في منتصف العقد الأول من الألفية الثانية.

معظم شركات النفط الامريكية رغم ضغوط إدارة ترامب لا تريد التورط في استثمارات غير مضمونة، وخاصة ان النفط الفنزويلي ثقيل جدا، وتتخوف من ان تساق الى المحاكم الدولية، عدى ان صناعة النفط الفنزويلية تحتاج الى استثمارات كبيرة وسوق النفط مشبعة.

إن إعادة انتاج فنزويلا الى 2.5 إلى 3 ملايين برميل يوميًا تحتاج الى فترة زمنية طويلة، فهل ستحقق مغامرة ترامب رفاهية لشركات النفط الامريكية ورفاهية للشعب الفنزويلي كما وعد في خطابه بعد اختطاف رئيس دولة ذات سيادة ليستولي على مقدرات شعبها؟!

** باحث في قضايا الاقتصاد والتنمية

 

الأكثر قراءة

z