المجلات العلمية المحكمة متى ترى النور

 

 

د. صالح بن ناصر القاسمي

منذ ما يقارب نصف قرن، شهدت بلادنا اهتمامًا بالغًا بالجانب التربوي والتعليمي؛ حيث أولى السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- هذا الجانب عناية خاصة، إدراكًا منه بأن نهضة عُمان الحقيقية لن تتحقق إلا بانتشار التعليم في ربوع الوطن. وقد عبّر عن هذه القناعة العميقة بمقولته الخالدة التي ستبقى راسخة في القلوب قبل العقول: "سنعلّم أبناءنا ولو تحت ظل الشجر".

لقد كانت تلك المرحلة معركة إرادة حقيقية، قادها السلطان الراحل، وسانده فيها شعب متعطش للعلم والمعرفة، وتفاعل معها أبناء عُمان الذين تلقّى بعضهم جانبًا من التعليم خارج البلاد آنذاك. وإنني أفخر، بل أعتز، بأنني كنت واحدًا من ذلك الجيل الذي التحق بركب التعليم في بدايات السبعينيات من القرن الماضي، حين كنا نستظل السماء في بداية الرحلة، في ظل غياب الفصول الدراسية المهيأة.

ثم نُصبت الخيام البيضاء، لتبدأ معها مرحلة جديدة من الفرح والبهجة، شعرنا خلالها بأن الدراسة اكتسبت طابعًا لم نألفه من قبل. ولم يمضِ وقت طويل حتى شُيّدت فصول دراسية من سعف النخيل، بالطابع العُماني المعروف بـ«العريش»، وقد أُقيمت على هيئة مستطيلات متقاربة، حتى إننا كنا نسمع شرح المعلم في الفصل المجاور، ومع ذلك كنا نُمعن التركيز مع معلمنا، حبًا في العلم، وربما خوفًا من المعلم، وهو الأرجح.

ولم نكد ننهي دراسة الصف السادس الابتدائي، حتى شُيّدت مدرستنا بالطراز الحديث، ولا أزال أستحضر تلك اللحظة الفارقة حين دخلنا مدرستنا الجديدة "مدرسة بلج بن عقبة الفراهيدي"، ونحن نهتف بحب الوطن مرددين: بلادي بلادي بلادي، لك حبي وفؤادي. كانت لحظات سعادة خالصة، عشناها بصحبة كوكبة من المعلمين المتميزين من مختلف البلاد العربية، إلى جانب عدد من المعلمين العُمانيين.

ومضت الأيام تواكبنا خطوة بخطوة، وأنا أستحضر هنا حكاية جيل بأكمله، حتى جاءت اللحظة الفارقة في مسيرة التعليم في بلادنا، مع الإعلان عن افتتاح جامعة السلطان قابوس، ذلك الصرح العلمي الرائد. وكنت من المحظوظين حقًا، إذ كنت ضمن الدفعة الأولى التي التحقت بالجامعة، وعايشت لحظة افتتاحها تحت الرعاية السامية للمغفور له بإذن الله السلطان قابوس، -طيب الله ثراه-. وازداد حظي عندما تشرفت باستلام شهادة تخرجي من يده الكريمة، لتبقى تلك الذكريات خالدة في الذاكرة، وكأننا نعيشها اليوم.

وما سردناه من مقتطفات لا يمثل إلا جزءًا من مشهد التعليم في أرض وطننا الغالي، إذ إن ما ذكرناه ينطبق على مختلف أرجاء عُمان؛ حيث تشابهت الظروف، وتسابقت العزائم، وتوحدت الإرادة في سبيل ترسيخ الوعي وبناء الإنسان.

ومع توالي السنوات، انتشرت الكليات التعليمية تباعًا، وتبعها إنشاء عدد من الجامعات الخاصة، مدعومة من الحكومة، تشجيعًا للتعليم العالي، ورفدًا لمختلف القطاعات بكوادر وطنية مؤهلة، قادرة على تحمل مسؤوليات البناء والتعمير والتطوير. وقد لمسنا - ولله الحمد - ثمار هذا التوجه في شتى الميادين، غير أن طموحنا في مجال التعليم لا يزال مفتوحًا على المزيد.

فبعد أن قطعنا شوطًا كبيرًا في مسيرة التعليم، نشعر بأن هناك لبنة مفقودة نحتاجها بشدة، ويحتاجها الوطن بإلحاح، لما لها من أهمية بالغة، ألا وهي المجلات العلمية المحكمة. لا شك أن هناك بعض المجلات القائمة فعليًا - حسب ما نعلم - إلا أنها محدودة، وغالبًا ما تقتصر على خدمة الترقيات الأكاديمية فحسب. بينما نتطلع إلى مجلات علمية ذات طابع عالمي، يكون هدفها الأول خدمة الوطن والبحث العلمي.

ففي وطننا مئات الكفاءات العُمانية الحاصلة على الشهادات العليا، وقد آن الأوان لأن تُجمع طاقاتهم في إطار يخدم البحث العلمي بمختلف مجالاته، بل إن الطموح يمتد إلى إنشاء مراكز دراسات متخصصة تلبي الاحتياجات العلمية والفكرية.

إن الدول الطموحة تسعى جاهدة إلى إنشاء المراكز البحثية، إيمانًا منها بأن التطور والتقدم لا يمكن أن يتحققا بمعزل عن هذه المؤسسات. فالتخطيط الاستراتيجي لا يُجيد صناعته أفراد أو لجان مؤقتة، بل يحتاج إلى مراكز أبحاث متخصصة، تقدم إنتاجها بأسلوب علمي رصين، وتُمدّ أصحاب القرار برؤى مستقبلية شاملة، لتصبح مرجعًا وطنيًا يخدم أهدافًا طويلة الأمد.

ولقد اعتدنا في هذا الوطن العزيز أن ترافق كل مرحلة من مراحل البناء أدواتٌ تتناسب مع متطلباتها وتسهم في تحقيق أهدافها. وفي هذه المرحلة تحديدًا، نرى أن الحاجة باتت ملحّة إلى إنشاء مراكز دراسات علمية تواكب المستجدات، وتقدم كل ما هو جديد على الساحة العلمية. ونأمل أن يحظى هذا التوجه باهتمام أصحاب القرار في القريب العاجل، بعون الله وتوفيقه.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z