برنامج التوظيف.. قرار استراتيجي أم اختبار لسوق العمل؟

 

 

ناصر بن سلطان العموري

nasser.alamoori@gmail.com

 

تُمثِّل الأوامر السامية بتسريع تنفيذ برنامج توظيف الباحثين عن عمل لعام 2026 وتوفير 60 ألف فرصة وظيفية خلال العام، موزعة بين 10 آلاف في القطاع الحكومي المدني والعسكري و50 ألف في الشركات الحكومية والقطاع الخاص، تحولًا مهمًا في التعاطي مع ملف التوظيف بوصفه أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل، وأن ملف التشغيل ما يزال ضمن الأولويات الوطنية، وانه يحظى باهتمام القيادة الحكيمة؛ حيث يمثل محور اهتمام كبير في الأوساط الاجتماعية وهو ما قوبل بارتياح شعبي، في ظل ما يمثله العمل من استقرار اجتماعي وكرامة، لا مجرد رقم في إحصاءات رسمية.

من منظور الجهود الحكومية، يبرهن هذا الرقم الطموح على التزام الحكومة بتسريع وتيرة التشغيل وتوفير سبل العيش الكريم للمواطنين؛ حيث تعتمد الحكومة على آليات فعّالة مثل منصات التوظيف الإلكترونية، وبرامج التدريب المقرون بالتشغيل لضمان الشفافية والمواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل الفعلية. ويركز البرنامج على قطاعات النمو غير النفطية مثل اللوجستيات والسياحة والصناعة والتكنولوجيا؛ مما يدعم جهود التنويع الاقتصادي كجزء من استراتيجية أوسع ضمن رؤية "عُمان 2040".

ومع كل هذا يواجه تنفيذ برنامج بهذا الحجم تحديات جوهرية؛ فالتحدي الأكبر يكمن في كيفية استيعاب القطاع الخاص لهذا العدد الكبير من الباحثين عن عمل، وضمان استدامة هذه الوظائف على المدى الطويل. كما تُثار تساؤلات حول مدى كفاءة وكفاية التدريب المقدم لمواءمة المهارات مع المتطلبات المتغيرة للقطاعات المستهدفة، والحاجة إلى تحفيز حقيقي للشركات الخاصة لتوظيف العُمانيين بدلًا من الاعتماد على العمالة الوافدة. ويبقى النجاح مقرونًا بالأهداف الكمية للتوظيف والنوعية الاقتصادية، وهو تحدٍ مستمر يتطلب متابعة دقيقة وتعديلات مستمرة في السياسات لضمان تحقيق النتائج المرجوة.

غير أن السؤال الجوهري لم يعد: كم وظيفة أُعلنت؟ بل: كم وظيفة ستصمد؟

التجارب السابقة تُظهر أن جزءًا من فرص التوظيف، في القطاعين ظلَّ أسير العقود المؤقتة، والأجور المحدودة، وبيئات العمل الطاردة، ما أدى إلى عودة غير معلنة للباحثين عن عمل إلى نقطة الصفر. كما أن الاعتماد الكبير على القطاع الخاص يفرض تحديًا حقيقيًا يتمثل في ضعف الرقابة وتفاوت الامتثال لسياسات التعمين، الخوف الذي قد يحوّل البرنامج من حل جذري إلى معالجة مؤقتة للأرقام.

إن الأوامر السامية بتسريع التنفيذ تمثل فرصة نادرة لتصحيح المسار، لكنها لن تحقق أهدافها ما لم تُقترن بمساءلة واضحة، وشفافية في الترشيح، وربط الدعم الحكومي بجودة الوظيفة لا بعددها؛ فالشباب لا يبحثون عن عمل فحسب؛ بل عن استقرار وكرامة مهنية ومستقبل وظيفي.

اللافت في البرنامج هو التوازن بين القطاعين الحكومي والخاص؛ بما يعكس توجهًا استراتيجيًا نحو تمكين القطاع الخاص من أداء دور أكبر في استيعاب القوى العاملة الوطنية، مع استمرار الدولة في الوفاء بمسؤولياتها الاجتماعية.

غير أن نجاح هذا البرنامج لا يقاس بعدد الفرص المعلنة فقط؛ بل بمدى استدامتها وجودتها، ومواءمتها لمؤهلات الباحثين عن عمل، كما أن تسريع التوظيف يجب أن يترافق مع رقابة فعالة تضمن عدم تحوّل بعض الفرص إلى عقود قصيرة الأمد تفتقر للاستقرار.

إنَّ عام 2026 قد يكون عامًا مفصليًا في ملف التشغيل، إذا ما أُحسن تنفيذ البرنامج بشفافية، وعدالة في الترشيح، وشراكة حقيقية مع القطاع الخاص؛ بما يعزز الثقة ويعيد الأمل لآلاف الباحثين عن عمل.

الأكثر قراءة

z