د. عبدالله باحجاج
مرَّت علينا خلال الساعات القليلة الماضية ذكرى مزدوجة تختلط في مجتمعنا العُماني مشاعر تجديد الوفاء لعاهل البلاد حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظم- حفظه الله وأبقاه- ومشاعر تجديد العرفان، والاعتراف بالفضل، واستدامة الأثر للرَّاحل المَغفور له السُّلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- كمؤسسٍ للنهضة العُمانية الحديثة.
وبقدر ما يكون للوفاء قدسيته، يكون لذكرى الرحيل وفاؤها وأحزانها كذلك، وكلاهما يندرجان ضمن منظومة الوفاء المُقدسة، وكلاهما يعكسان وفاءً مزدوجًا للوطن، وفاء للراحل المؤسس- رحمه الله- ووفاء للسلطان المُجدِّد- أبقاه الله- والانعكاسات المأمولة من هذا الوفاء المزدوج هي الاستمرارية في الاستقرار وديمومة الأمن، وتجنب الصراع مهما كانت أسبابه، والوقوف ضد كل من يُروَّج له من الداخل والخارج.
إذن.. هو وفاء للماضي المؤسِّس للاستقرار والأمن وبناء الدولة الحديثة بحدود ثابتة ومعترف بها، وبمجتمع مُخلِص ومستقر داخل وطنه، ووفاء للحاضر المتجدد وقدرته على نقل الحكم بكل هدوء وحكمة نادرة، وهو وفاء للمستقبل كذلك بإدراك أن الزمن تغيَّر، وأن أدوات التنمية يجب أن تتغير، في ظل حقيقة أكدنا عليها سابقًا ولا ينبغي أن تُنسى، وهي أن مجتمعنا لن يقبل التخلُّف بديلًا عن التنمية، وأن ثوابته غير قابلة للتنازل، لأنه مؤطر عليها، وتُشكِّل خياراته الوجودية، ويستمد منها منظومة وفائه الفوقية والتحتية، وتقديراته وعرفانه للسلطان الراحل، وأن أدوات التنمية في الزمن المتغير ينبغي أن تنشغل بالأبعاد الاجتماعية من خلال الأفعال وليس ردود الفعل على الزمن المُتغير ووفق الثابت والمتغير.
وقد حرصنا أن نُعنوِن مقالنا حول الوعي بحب الوطن في السنة السابعة للنهضة المتجددة، وعي بالتحديات الداخلية وتقاطعاتها الجيوسياسية بعد أن انتهت الحكومة من خطة التوازن المالي وبرامجها التي أحدثت متغيرات كبرى في الحياة المعيشية للمواطنين، ودشنت خطتها الخمسية الحادية عشرة بطموحات مستقبلية واعدة، خاصة في مجال تنويع مصدر الدخل، وبالذات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، وجعل المحافظات مراكز اقتصادية.
وقد جاءت توجيهات عاهل البلاد- حفظه الله- في غمرة احتفالاتنا بالذكرى السادسة لتولي جلالته مقاليد الحكم في البلاد، داعمةً لمثل هذه التوجهات الاستراتيجية للنهضة المتجددة. وقد تناولنا الاقتصاد الرقمي في مقال سابق، بعنوان "المسؤولية الأولى حكومية بامتياز"، وذلك من منظور الوعي بحب الوطن في مستقبله التقني والتكنولوجي عبر صناعة جيل جديد من أبناء الوطن.
وهنا نفتح الوعي بحب الوطن من منظور توجُّه الدولة الاستراتيجي لتنمية المحافظات عبر تخصيص 50 مليون ريال لإقامة مشاريع ذات عائد اقتصادي واستثماري، تنتج فرص عمل للمواطنين، وفي الوقت نفسه تضخ إيرادات مالية ينبغي أن تصب في تنمية المحافظات.
والتساؤل الذي ينبغي أن يُطرح الآن بعد عملية استقصاء بحثية هو: كيف تنتقل المحافظات من محافظات مُستهلِكة للخدمات إلى محافظات مُنتِجة لفرص العمل والايرادات؟ هنا التحدي الكبير، وهو هنا يُعبِّر عمَّا أشرنا إليه سابقًا عن التسليم بتغيُّر أدوات التنمية، والإجابة عليه نجدها في رهانات البلاد على تحويل المحافظات الى مراكز اقتصادية، فلا بُد أولًا من تحديد هوية لكل محافظة يُبنى عليها إقامة مركزها الاقتصادي والاستثماري، وتُستغل مقوماتها بصورة أفضل، مثل مطار صلالة وميناء الحاويات والمناطق الحرة والاقتصادية فيها؛ حيث ينبغي أن يتغير مفهوم قياس النجاح فيها، ليس بعدد المشاريع، وانما بكم وظيفة حقيقية تنتجها؟ وكم من الدخل سيتحقق للمحافظة؟ وهذا لن يتأتى إلّا بمنح صلاحيات إضافية للمحافظات، وإقامة مراكز تخطيط إقليمية/ محلية، تستمد أهدافها وغاياتها من الاستراتيجيات والخطط الوطنية المركزية.
ونجد كذلك الإجابة في توجيه عاهل البلاد للحكومة بتسريع وتيرة تنفيذ برنامج توظيف الباحثين عن عمل المعتمدة لعام 2026، والمقدر بـ60 ألف فرصة وظيفة، منها 10 آلاف في القطاع الحكومي المدني والعسكري، و50 ألف وظيفة في الشركات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص. وإذا احتكمنا لمفهوم الوعي بحب الوطن في استحقاقاته وتحدياته سالفة الذكر، فإننا ينبغي أن نطالب بأن يكون النصف الأول من 2026 السقف الزمني الأعلى للتطبيق، فذلك سيُحدث فرقًا معنويًا في قضية الباحثين عن عمل.
ومهما كانت حدية التضارب في تقديرات المسؤولين حول أعداد الباحثين عن عمل، ومهما اختلفت آراؤهم، إلّا أننا نُرجِّح تقدير معالي سلطان بن سالم الحبسي وزير المالية، كونه رئيس اللجنة الاقتصادية والمالية بمجلس الوزراء، وقد قدرها بـ 120 ألف باحث عن عمل، والتسريع بالمدى الزمني سالف الذكر له نتائج إيجابية كبيرة تحتاج إليها طبيعة مرحلتنا الوطنية بكل أبعادها وزواياها المختلفة، ويكفي القول أنها تشكل في ظرفيتها الراهنة القضية الأولى للوطن.
ودعوتنا لتغليب الوعي بحب الوطن، تُمثِّل قمة النضج الفكري والأخلاقي، وينبغي أن تُترجم الى سلوك وأفعال، وهي من جهة كل مسؤول تشرَّف بحمل الأمانة الوطنية، تعني التركيز على بناء الإنسان قبل البنيان، وتغليب المصلحة العامة وفي مقدمتها الاجتماعية، وهي من جهة كل مواطن تعني أن له وطنًا واحدًا لا غيره، وأن حبه له والوفاء له من صميم الإيمان.
وأخيرًا.. ندعو الله جلَّ في عُلاه أن يمُد سلطاننا المُعظم بالعون والتوفيق، وأن يُسخِّر له البطانة الصالحة، وأن يحفظ بلادنا آمنة مستقرة مزدهرة، وأن يديم عليها نعمة القيادة الحكيمة ووحدة الصف، وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمين.
