حاتم الطائي
◄ 7 أعمدة رئيسة ترسم خارطة الطريق الوطنية لمسار نهضتنا المُتجددة
◄ التعليم في الفكر السامي وسيلة لبناء الإنسان العُماني معرفيًا وسلوكيًا
◄ الأوطان المُستقرة أغلى النعم.. والمجتمعات المتماسكة أقوى الأمم
مثّلت اللحظةُ التاريخيةُ لتولي حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظم- حفظه الله ورعاه- مقاليد الحكم في وطننا العزيز، نقطةَ تحولٍ فارقةٍ في تاريخ بلادنا الغالية، فما زلتُ أتذكر ذلك المَشهدَ المَهيب الذي تشرفتُ بحضوره، في مجلس عُمان، صباح يوم الحادي عَشر من يَناير لعام 2020، لأكون شاهدًا على أعظم انتقال سلسٍ للسُلطة على مستوى الإقليم والعَالم. في ذلك اليوم، أشرقتْ شمسٌ جديدةٌ في سماء عُمان، لتضيء مسيرة مُتجددة من النهضة العُمانية الحديثة، ولتنطلق معها عُمان نحو آفاق أكثر رحابة وازدهارًا، وفق رُؤية عميقة الأثر سطّرتها الحكمة السامية لجلالة العَاهل المُفدّى- أيده الله.
والمتأمل في الفكر السامي لجلالة السُّلطان المُعظم- أعزه الله- يستطيع أن يُحدد 7 أعمدة للتنمية، بشموليتها واستدامتها، تمثل الركائز الراسخة لفلسفة الحكم وإدارة شؤون البلاد، بكل حكمةٍ واقتدار، وفق مُحددات النهضة المُتجددة ومتطلباتها، التي تستهدف وضع سلطنة عُمان في مصاف الدول المتقدمة.
هذه المحددات رسمت خارطة الطريق الوطنية لمسار نهوضنا التنموي المُتجدد، واضعةً نصب أعينها مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار، كما استطاعت أن توازن بين مُتطلبات التنمية والتعاطي مع ضغوط التحديات، فترسَّخ نموذج تنموي رائد، حقق المعادلة الصعبة واستطاع أن يقود عُمان إلى مرافئ الاستقرار والنماء.
وأول الأعمدة السبعة في الفكر التنموي السامي، هو التخطيط الإستراتيجي، فقد أولى جلالة السلطان عناية لا محدودة بهذا الجانب، منذ أن ترأس- أعزه الله- اللجنة الرئيسة لإعداد رؤية "عُمان 2040"، وهي الرؤية التي تأسست وفق نهج استراتيجي أشرف على تنفيذه جلالة السُّلطان، وقاد فرق العمل من الخبراء والمسؤولين الذين، وضعوا كافة الخبرات والمقترحات من أجل إنجاز هذه الرؤية. ومنذ أن تولى جلالته- أيده الله- مقاليد الحكم، والتخطيط الإستراتيجي نهجٌ قويمٌ يُطبق في مؤسسات الدولة كافةً، استجابةً للتوجيهات السامية بإعمال الفكر الاستراتيجي، الذي لا يعتمد فقط على الاستفادة من دروس الماضي وقراءة الحاضر بعين فاحصة، وإنما يستشرف المستقبل بوعي حصيف وإدراك يُبصر الأبعاد المختلفة للفرص والتحديات على السواء.
وأما ثاني هذه الأعمدة، فهو التعليم؛ إذ يُعد الركيزة الأساسية في تطور الأمم وتقدمها، والسراج المنير الذي تهتدي به الشعوب، لتحقيق تطلعاتها من التنمية والتطور. ولقد نال قطاع التعليم نصيبًا وافرًا من الاهتمام السامي؛ إذ يُؤكد جلالته في الخطاب السامي يوم 23 فبراير 2020: "إن الاهتمام بقطاع التعليم بمختلف أنواعه ومستوياته وتوفير البيئة الداعمة والمُحفزة للبحث العلمي والابتكار سوف يكون في سلم أولوياتنا الوطنية، وسنمده بكافة أسباب التمكين باعتباره الأساس الذي من خلاله سيتمكن أبناؤنا من الإسهام في بناء متطلبات المرحلة المقبلة".
هذا الاهتمام السامي تجلّى في تخصيص الأموال لبناء مدارس جديدة وتحديث وتطوير أخرى قائمة، وتوفير كل سبل الدعم والتشجيع لأبنائنا الطلبة على الاجتهاد والتفوق، بالتوازي مع الارتقاء بالكوادر التربوية والإدارية في هذا القطاع، عبر التدريب والتأهيل المستمرين، وذلك لضمان تطبيق أعلى معايير الجودة التعليمية.
والتعليم في الفكر السامي لا يقتصر قطعًا على التعليم المدرسي، وإنما يتعداه إلى مفهوم المعرفة والبحث، وقد تأكد ذلك في الخطاب السامي بمناسبة الانعقاد السنوي الأول للدورة الثامنة لمجلس عُمان 2023، عندما قال جلالته- أيده الله-: "إننا إذ ننظر إلى المؤسسات التعليمية، والمراكز البحثية والمعرفية بجميع مستوياتها، على أنها أساس بنائنا العلمي والمعرفي، ومستند تقدمنا التقني والصناعي؛ لنُؤكد على استمرار نهجنا الداعي إلى تمكين هذا القطاع، وربط مناهج التعليم بمتطلبات النمو الاقتصادي، وتعزيز الفرص لأبنائنا وبناتنا، مُتسلحين بمناهج التفكير العلمي، والانفتاح على الآفاق الرحبة للعلوم والمعارف، وموجهين طاقاتهم المعرفية والذهنية إلى الإبداع والابتكار والتطوير؛ ليصبحوا أسسًا للاستثمار الحقيقي وقادةً للتطوير الاقتصادي".
وهنا نستطيع أن نستقرئ جانبًا بالغ الأهمية في الفكر السامي تجاه التعليم؛ إذ إنَّ التعليم ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة من أجل تسليح أبنائنا بالفكر المتطور والرؤية البعيدة المدى. إنه التعليم الذي يهدف إلى بناء الإنسان معرفيًا وسلوكيًا، التعليم الذي يرفع من شأن أفراد المجتمع ويساعدهم على الإسهام في بناء الوطن وقيادة التطوير، مع التأكيد على أن كل ريال يُنفق على التعليم هو "استثمار حقيقي" في "ثروة الأمم وموردها الذي لا ينضب".
وإذا ما انتقلنا إلى العمود الثالث من أعمدة الفكر التنموي السامي وهو الاقتصاد، فالمقام لن يتسع أبدًا؛ إذ استحوذ الاقتصاد على النصيب الأكبر؛ باعتباره الرافعة الأساسية للنهضة التنموية الشاملة في أي بلد؛ لأن الاقتصاد المتوازن القادر على النمو، هو الذي يدعم مسيرة التنمية. ورغم التحديات التي شهدها الاقتصاد العالمي وأثر علينا، إلّا أنَّ النهج السامي الحكيم ودقة إدارة دفة الاقتصاد الوطني، ساعدتنا على تخطي الصعاب، والخروج من مرحلة "عنق الزجاجة" بعد أزمات عالمية متتالية بدأت في 2020. ومن عجز مالي كبير، ودين عام يتجاوز 70% من الناتج المحلي، نجحت عُمان في تحويل العجز إلى فائض، وخفض الدين العام لما دون 36% من الناتج المحلي، في إنجاز شهدت له المؤسسات الدولية؛ الأمر الذي أسهم في استعادة الجدارة الاستثمارية ورفع التصنيف الائتماني لاقتصادنا، لأعلى مستويات في سنوات طويلة.
وتوازيًا مع الاقتصاد، مثّلت الإدارة المالية العمود الرابع من أعمدة الفكر التنموي السامي؛ إذ لم يكن ليتحقق النمو الاقتصادي لولا الرؤية السامية الحكيمة التي قادت برنامج التوازن المالي وعززت الاستدامة المالية ورسخت ممارسات النمو القائم على الإنتاج، وساعدت في تحقيق تقدم لافت في مؤشرات التنويع الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأجنبية.
أما في جانب الحماية الاجتماعية، وهي خامس أعمدة الفكر التنموي السامي، فإن ما تحقق للمواطن من مكاسب اجتماعية، يعكس حجم الجهود التي بُذلت وما تزال، وما منظومة الحماية الاجتماعية بمكوناتها المختلفة، إلّا تجسيد لذلك الإنجاز، وترجمة صادقة للرؤية السامية بأن ينعم المواطن بالاستقرار المعيشي.
وفي جانب الثقافة والهوية، سادس أعمدة الفكر التنموي السامي، برهنت التوجيهات السامية الكريمة، مدى الحرص السلطاني على العناية بالثقافة والحفاظ على الهوية. وفي الخطاب السامي بمناسبة الانعقاد السنوي الأول للدورة الثامنة لمجلس عُمان 2023، يؤكد جلالته بالقول: "إننا إذ نرصد التحديات التي يتعرض لها المجتمع ومدى تأثيراتها غير المقبولة في منظومته الأخلاقية والثقافية؛ لنؤكد على ضرورة التصدي لها، ودراستها ومتابعتها، لتعزيز قدرة المجتمع على مواجهتها وترسيخ الهوية الوطنية، والقيم والمبادئ الأصيلة، إلى جانب الاهتمام بالأسرة؛ لكونها الحصن الواقي لأبنائنا وبناتنا من الاتجاهات الفكرية السلبية، التي تُخالف مبادئ ديننا الحنيف وقيمنا الأصيلة، وتتعارض مع السمت العُماني الذي ينهل من تاريخنا وثقافتنا الوطنية".
هذا الاهتمام تجسَّد في غير موضع، وكان آخرها التوجيه السامي خلال اجتماع مجلس الوزراء المُوقر، بدراسة وتشخيص المتغيرات السلوكية في المجتمع، بهدف وضع التوصيات المناسبة وتطبيقها على أرض الواقع، بما يحفظ لعُمان ثقافتها المجتمعية وهويتها الجامعة، تلك الهوية المتجذرة منذ آلاف السنين، وتتوارثها الأجيال جيلًا بعد جيل.
وآخر أعمدة الفكر التنموي السامي، التقنية والذكاء الاصطناعي، إذ لا مجال للتنمية المستدامة والشاملة دون اعتماد واضح على لغة العصر والاستفادة من التطورات التي يشهدها العالم من حولنا، وبصفة خاصة الذكاء الاصطناعي، لما له من دور في الاقتصاد الرقمي والتنمية المعرفية، وهنا نقرأ في الخطاب السامي لجلالته عندما قال: "...فإننا عازمون على جعل الاقتصاد الرقمي أولويةً ورافدًا للاقتصاد الوطني، كما وجهنا بضرورة إعداد برنامجٍ وطنيٍ لتنفيذ تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوطينها، مع الإسراع في إعداد التشريعات التي ستُسهم في جعل هذه التقنيات كأحد الممكنات والمحفزات الأساسية لهذه القطاعات".
إنَّ هذه الأعمدة السبعة تمثل الركائز الأساسية للمسيرة التنموية في عهد النهضة المتجددة، وتعكس الرؤية السامية الحكيمة لقيادة وطننا العزيز نحو مزيد من التطور والازدهار. ومن هنا يتعين على كل مُواطن يعيش على تراب هذا الوطن المعطاء، أن يبذل كل جهد من أجل الإسهام في بناء المستقبل المُشرق والمحافظة على مكتسبات التنمية وصون مُقدرات الوطن.. فالأوطان المُستقرة أغلى النعم، والمجتمعات المُتماسكة أقوى الأمم.
