د. خالد بن سالم السعيدي
في ظل التحولاتِ المتسارعةِ التي يشهدها العالم، تبرز أهمية ترسيخ خطاب مجتمعي مُتوازن يعزز الثقة بالمستقبل، ويدعم مسارات التنمية، بعيدًا عن السلبية المفرطة التي لا تضيف قيمة ولا تُسهم في البناء؛ فالتنمية، في جوهرها لا تقوم على جلد الذات أو التقليل من الجهود؛ بل تُبنى بالتخطيط والعمل المقرون بالأمل، والنَّقد البنّاء المرتبط بالحلول.
لقد انتهجت سلطنة عُمان مسار التنمية المستدامة خيارًا استراتيجيًا، يتسقُ مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040" التي تسعى إلى بناء اقتصاد متنوع وتنافسي، ومجتمع منتج، وإنسان متمكن، في إطار من الحوكمة والاستدامة، وهو مسار يتطلب وقتًا وتدرجًا، ويعكس وعيًا بطبيعة التَّحديات ومتطلبات التحول.
وتستحق الجهود المبذولة- في مجالات تنويع مصادر الدخل، وتمكين الشباب، وتعزيز ريادة الأعمال، وتطوير التعليم، والاهتمام بالاستدامة البيئية- التقدير والإشادة، لما تحمله من مُؤشرات إيجابية على التحول التدريجي نحو اقتصاد قائم على المعرفة، أكثر مرونة وقدرة على التكيف. وهي جهود تتكامل فيها أدوار الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التمييز بين النقد المسؤول الذي يهدف إلى التطوير، وبين جلد الذات الذي يُكرِّس الإحباط ويُضعف الثقة؛ فالتحديات جزء طبيعي من أي تجربة تنموية، ولا ينبغي أن تكون مبررًا لتجاهل المنجزات أو التقليل من المسار العام للتنمية التي تحظى باهتمام ومتابعة مباشرة من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المُعظم- حفظه الله ورعاه، لا سيما وأنَّ الخطاب السامي يتسم دائمًا بالصراحة والوضوح، دون تهويل أو تبسيط، وهو ما أسهم في إعادة ترتيب الأولويات الوطنية على أسس واقعية. وجاء اعتماد رؤية "عُمان 2040" ليعكس هذا التوجه؛ باعتبارها- أي الرؤية- مشروعًا وطنيًا طويل المدى، لا يُقاس نجاحه بردود الفعل الآنية؛ بل بقدرته على إحداث تحول تدريجي ومستدام في بنية الاقتصاد والمجتمع. الرؤية لم تُطرح كشعار؛ بل كإطار عملي ارتبط بإصلاحات مؤسسية وإدارية هدفت إلى رفع كفاءة الأداء الحكومي وتعزيز مبادئ الحوكمة وترشيد استخدام الموارد.
وقد اختارت سلطنة عُمان في عهد جلالته مسار الإصلاح المسؤول، من خلال تطبيق برنامج التوازن المالي بروح متدرجة تراعي الأبعاد الاجتماعية، وتستهدف حماية الاستقرار الاقتصادي على المدى المتوسط والطويل؛ حيث أثمرت هذه السياسات تحسُّنًا ملحوظًا في المؤشرات المالية، واستعادة الثقة الدولية بالاقتصاد العُماني؛ الأمر الذي يعكس أن الإصلاح الهادئ- وإن بدا بطيئًا للبعض- إلّا أنه أكثر رسوخًا وأقل كُلفة على المجتمع.
وإذا كانت بعض القراءات تختزل التنمية في الأرقام والمؤشرات فقط، فإنَّ التجربة العُمانية تؤكد أن الإنسان يظل محور أي مشروع تنموي ناجح. فقد أولت القيادة الحكيمة اهتمامًا واضحًا ببناء الإنسان العُماني، ولا سيما فئة الشباب، من خلال دعم برامج التدريب والتأهيل، وتشجيع ريادة الأعمال، وربط التعليم بمتطلبات سوق العمل؛ بما يُعزِّز المشاركة الفاعلة للمواطن في الاقتصاد الوطني، ويُحوِّل التحديات إلى فرص للنمو والتطوير.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، حملت الزيارات الخارجية التي قام بها جلالة عاهل البلاد المُفدّى- أيده الله- أبعادًا اقتصادية وتنموية واضحة، عكست توجهًا عمليًا نحو تعزيز الشراكات الاستثمارية، وترسيخ مكانة سلطنة عُمان كدولة مُستقرة وموثوقة، تنتهج سياسة خارجية مُتزنة تقوم على الحكمة وبناء الثقة. وقد أسهم هذا النهج في فتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي؛ بما يخدم أهداف التنمية الوطنية.
والنظر إلى مسيرة التنمية في سلطنة عُمان من زاوية إيجابية لا يعني تجاهل التحديات أو إنكار الصعوبات؛ بل يعني التعامل معها بوعي وثقة، بعيدًا عن خطاب السلبية أو جلد الذات. وفي ظل القيادة الحكيمة لجلالة السلطان المعظم، تتشكَّل ملامح تجربة تنموية ترتكز على الهدوء في القرار، والواقعية في الطرح، والاستدامة في الأثر، وهي تجربة تستحق قراءة موضوعية مُنصِفة، ترى فيما تحقق أساسًا يُبنى عليه، لا مادة للتقليل أو التشكيك.
إنَّ تحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040" لا يقتصر على السياسات والخطط وحسب؛ بل يعتمد أيضًا على وعي المجتمع ومشاركته الإيجابية، ودعمه للمبادرات الوطنية، وترسيخ ثقافة العمل والإنتاج، ونشر خطاب إعلامي يعزز الأمل ويشجع المبادرة.
وختامًا.. لنكُن متفائلين؛ إيمانًا بقدرتنا على البناء والتطوير، ولنبتعد عن جلد الذات؛ فالتنمية تُبنى بالتخطيط والعمل المقرون بالأمل، وتترسخ بتكاتف الجميع، وتمضي بثباتٍ نحو مُستقبل يليق بعُمان الشامخة العزيزة وطموحات أبنائها الأبرار المُخلِصين.
