هجرة الكفاءات.. حين تُغادر العقول

 

 

 

د. عبدالعزيز بن محمد الصوافي **

في العقود الأخيرة، تحوّلت هجرة الكفاءات من ظاهرة فردية محدودة إلى قضية بنيوية تمسّ جوهر التنمية الاقتصادية والاجتماعية في كثير من الدول، خصوصًا النامية منها. ولم تعد الهجرة محصورة في البحث عن عمل؛ بل أصبحت تعبيرًا عن اختلالات أعمق في بيئات الإنتاج، والحوكمة، وتقدير رأس المال البشري.

اقتصاديًا، تمثل هجرة الكفاءات نزيفًا صامتًا للاستثمار الوطني؛ فالدولة التي تنفق لسنوات طويلة على تعليم وتأهيل الطبيب أو المهندس أو الباحث أو اللاعب الرياضي، تجد نفسها في نهاية المطاف تقدّم هذا المورد مجانًا لاقتصادات أخرى أكثر قدرة على استيعابه وتوظيفه بما يخدم رؤيتها الاقتصادية والتنموية. تشير تقارير البنك الدولي إلى أنَّ الدول منخفضة ومتوسطة الدخل تخسر مليارات الدولارات سنويًا نتيجة هجرة العقول، ليس فقط بسبب فقدان المهارات النادرة، بل أيضًا بسبب تراجع الإنتاجية والابتكار المحليين؛ فغياب الكفاءات يُضعف قدرة القطاعات الحيوية-كالصحة، والتعليم، والتكنولوجيا- على التطور والمنافسة.

غير أنَّ التأثير لا يقف عند حدود الأرقام. اجتماعيًا، تُحدث هجرة الكفاءات خللًا في البنية الطبقية وفرص الحراك الاجتماعي. إذ غالبًا ما يغادر الأكثر تأهيلًا ومهارة، بينما يبقى من هم أقل حظًا من حيث المهارات والفرص، مما يوسع الفجوة بين الطموحات المجتمعية والقدرات الفعلية. كما تؤدي هذه الهجرة إلى تآكل القدوة المهنية داخل المجتمع؛ فحين يرى الشباب أن النجاح مرهون بالرحيل والهجرة، تتراجع قيمة الانتماء والعمل المحلي، ويتحول الوطن من فضاء لتحقيق الذات إلى محطة عبور مؤقتة.

في المقابل، لا يمكن التعامل مع هجرة الكفاءات بمنطق الإدانة الأخلاقية للفرد. فالدراسات الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تؤكد أن قرار الهجرة غالبًا ما يكون نتيجة تراكمية لضعف الأجور، وضبابية المسار المهني، ومحدودية حرية البحث والابتكار، وليس مجرد إغراء مادي خارجي. وعليه، فإن تحميل الأفراد مسؤولية الهجرة يغفل جوهر المشكلة المتمثل في بيئة طاردة لا مكافِئة.

الحل لا يكمن في إغلاق الحدود، بل في تحويل الهجرة من خسارة صافية إلى علاقة تبادلية. فبعض الدول نجحت في استثمار جالياتها العلمية في الخارج عبر شبكات بحثية، ونقل معرفة، واستثمارات عائدة، فيما يُعرف بـ"هجرة العقول الدائرية". غير أن هذا يتطلب سياسات ذكية تعترف بأن الكفاءة لا تُحتجز، بل تُستبقى عبر العدالة، وتهيئة الفرص، والاعتراف بالقيمة.

في النهاية، هجرة الكفاءات ليست أزمة هجرة بقدر ما هي مرآة لأزمة تنمية طال تجاهلها. وعلينا أن نتذكر أن من ينجح في إصلاح الداخل وخلق بيئة جاذبة وآمنة، لن يقلق كثيرًا من الخارج وإغراءته.

** باحث أكاديمي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z