البنيوية كمنهج فكري

 

 

عيسى الغساني

تتعدد مدارس العلوم الاجتماعية التي تُفسر الظواهر الاجتماعية ولكل منها طرحه النظري، والبنيوية منهج فكري يسعى لفهم الظاهرة الاجتماعية وتعريفها ومن ثم وضع القانون الذي يُنظم حركتها. وتتركز البنيوية بأن الظاهرة الاجتماعية أو القانونية تفهم ليس من خلال عناصرها أو أسبابها فقط؛ بل من داخل البنية الكلية التي تشكل جزءًا منها والعلاقات التي تنتظم الظاهرة وتعمل من خلالها.

بينما الطرح التقليدي لا يسأل المنهج البنيوي: لماذا حدثت الظاهرة؟، بل يسأل: كيف تعمل هذه الظاهرة داخل نظامها؟ فالمعنى، وفق هذا التصور، لا يكمن في الشيء ذاته، وإنما يتكوّن من موقعه ووظيفته داخل البنية. ومن ثمّ، فإن أي ظاهرة تُفهم بوصفها جزءًا من نظام أوسع يحكمها ويحدد دلالتها.

بينما الطرح التقليدي يسأل لماذا حدثت الظاهرة؟ البنيوية تعالج كيف تعمل الظاهرة؟ وهنا ينظر إلى الظاهرة من موقعها ووظيفتها ادخل البنية. وبذلك تفسر الظاهرة أو السلوك كجزء من نظام يحكمها ويُحدد معانيها ودلالاتها.

وخطوات التفسير البينوي تعتمد على خطوات منهجية، منها: تحديد النظام الذي تنتمي إليه الظاهرة، والنظام اللغوي، والقانوني، والاجتماعي، والثقافي، ومن ثم مكونات الظاهرة لفهم أدوارها الوظيفية، ويأتي بعد ذلك علاقات التضاد أو التكامل أو الهيمنة ذلك أن هذه العلاقات تعطي المعنى للظاهرة.

والبنيوية لا تُعطي وزنًا للنوايا الذاتية؛ فلا أهمية لقصد الكاتب أو نية المُشرِّع أو الدوافع النفسية، وما هو جوهري أن القواعد الداخلية التي تنظم البنية فالسلوك الإنساني نتاج بنية اجتماعية تعمل على توجيهه وتقييده.

ويتضح هذا المنهج عند تفسير النص القانوني بحيث يُنظر إليه بنيويًا من خلال المبادئ العامة والقواعد الكلية والمنطق القانوني وليس من الألفاظ المجردة.

وعند تحليل أو النظر إلى كيف تصنع القرارات داخل أي منظومة؛ فالنظرية البنيوية لا تنظر إلى المسؤول أو أخلاقه أو نواياه؛ بل تنظر إلى بنية المؤسسة وكيف تنتج السلطة؛ فالسلطة ليست صفة شخصية؛ بل موقع داخل النظام.

والسؤال البنيوي ليس: هل هذا المسؤول عادل أم متعسّف؟ بل كيف صُمّمت البنية التي تمنحه السلطة؟ وما القيود التي تحكم مُمارستها؟ وفق هذا المنظور، يتحوّل التعسّف من انحراف فردي إلى نتيجة محتملة لبنية مختلّة.

وعندما يكون المنتظم مؤسسا على أهداف واضحة تكون القواعد سابقة على الأشخاص، والصلاحيات محددة، وآليات المساءلة فعّالة. وهنا تُمارس السلطة بوصفها وظيفة تنظيمية تهدف إلى تحقيق الصالح العام. أما في البنية المتعسّفة، فتغيب الحدود الواضحة، وتتركّز الصلاحيات، وتُضعف الرقابة، فيتحوّل المنصب.

ويؤكد المنظور البنيوي أن الأفراد، مهما حسُنت نواياهم، يخضعون لقواعد البنية التي يعملون داخلها؛ فالمسؤول الذي يتحرك في نظام يخلط بين السلطة والشخص، وبين القرار والمزاج، يجد نفسه مدفوعًا- بقوة البنية- إلى ممارسات تعسفية، حتى دون قصد واعٍ. وهذا ما يفسّر تكرار الظاهرة نفسها عند تغيّر الأشخاص وبقاء النظام على حاله.

وفي هذا السياق، يلتقي التحليل البنيوي مع أطروحات ماكس فيبر حول العقلنة والسُّلطة القانونية، حيث تُصبح الشرعية مرتبطة بالنظام والقواعد لا بالأشخاص. كما ينسجم مع النقد البنيوي للسلطة الذي يرى أنَّ العدالة لا تتحقق بالأخلاق الفردية وحدها، بل بتصميم مؤسسي رشيد.

الأكثر قراءة

z