أبناء الغد.. ومناهج الأمس

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

في كل بيتٍ طالب، وفي كل مدرسة حلم، وفي كل جامعة وعدٌ غير مكتوب بمستقبلٍ أفضل. غير أنَّ المفارقة الهادئة- التي لا تُرى في الجداول ولا تُقاس بسهولة- أن كثيرًا مما نُهيِّئ أبناءنا له، لم يعد هو ما سيُطلب منهم غدًا. فنحن نُربّيهم على عالمٍ نعرفه جيدًا… بينما العالم الذي ينتظرهم يتشكّل على نحوٍ مختلف تمامًا.

ولا يتعلق الأمر بظهور «وظائف جديدة» فحسب، بل بتغيّر معنى الوظيفة نفسها: كيف تُبنى، وما المهارات التي تحمي صاحبها من التقادم، وما الذي يجعل الإنسان قادرًا على الانتقال من دورٍ إلى آخر دون أن يسقط في الفراغ. إذ إن جيل «ألفا» (مواليد ما بعد عام 2010) سيدخل سوق عملٍ تتسارع فيه الأتمتة، وتتوسع فيه المهن المرتبطة بالأنظمة الذكية، وتبرز فيه احتياجات جديدة تتصل بتفاعل الإنسان مع التقنية، وأخلاقياتها، وإدارتها.

والمشكلة ليست في أن المستقبل يتغيّر، فهذه سنّة الحياة؛ بل في إن منظوماتنا التعليمية تتعامل مع التغيير وكأنه «تحديث» دوري، لا مسار دائم. نراجع البرامج بعد سنوات، ونُعيد ترتيب الأولويات بعد أن تكون الأسواق قد استدارت بالفعل؛ وهكذا تتسع فجوة صامتة بين ما نُدرِّسه، وما يحتاجه الواقع، وما يتطلّبه الغد.

وتُصبح الفجوة أكثر كلفة حين تُصيب الشباب نفسيًا ومهنيًا: يتعلّمون بجد، ويجتهدون بصدق، ثم يكتشف بعضهم- متأخرًا- أن الطريق الذي سار فيه لم يعد طريقًا رئيسيًا كما ظنَّ، وأنه يحتاج إلى «إعادة تعريف» ذاته المهنية من جديد؛ لا لأنه أخطأ، بل لأنَّ الخريطة تغيّرت بينما كان يمشي.

وفي المُقابل، فإنَّ المؤسسات ليست في موقعٍ أكثر جاهزية. فما زالت أنظمة التوظيف في كثير من السياقات تُدار بمسميات تقليدية لا تلتقط التحولات الجديدة، وتُبنى مسارات التطوير على قوالب ثابتة، وتُختزل فكرة التدريب في دورات متقطعة لا تُنتج مهارة قابلة للتراكم. والأسئلة المؤجَّلة هنا ليست تقنية فقط، بل تنظيمية: كيف نُعيد توصيف الوظائف؟ كيف نُسرّع إعادة التأهيل؟ وكيف نجعل «التعلّم المستمر» جزءًا من ثقافة العمل لا بندًا موسميًا؟

وليس المطلوب أن نعرف كل وظيفة قادمة، ولا أن نُحوِّل التعليم إلى سباقٍ تقني محموم، بل أن نُغيّر منطق الإعداد نفسه: أن نُدرِّب أبناءنا على التفكير التحليلي، وعلى مهارات التعلّم الذاتي، وعلى المرونة المهنية، وعلى القدرة على الانتقال بين الأدوار بثقة. فالأمان الوظيفي في زمن التحول لم يعد اسم وظيفةٍ ثابتة… بل قدرة الإنسان على أن يتجدّد.

وعلى المؤسسات أن تُعيد النظر في علاقتها بالتحول: في أنظمة التدريب، وسياسات التوظيف، وأطر الترقي، وفي الشراكة الحقيقية مع الجامعات ومراكز التأهيل، وفي سرعة تحويل «الرؤية» إلى إجراءات ملموسة. لأن المستقبل- ببساطة- لا ينتظر جاهزية أحد، ولا يمنح وقتًا طويلًا لمن يتردد.

نحن لا نواجه أزمة وظائف بقدر ما نواجه أزمة استعداد: أزمة في سرعة الفهم قبل سرعة التنفيذ، وفي القدرة على التقاط التحول قبل أن يصبح واقعًا مُكلفًا. وإذا لم نُحسن إدارة هذه الفجوة الآن، سنجد أنفسنا بعد سنوات نُصلح ما كان يمكن وقايته… لو قرأنا الاتجاهات مبكرًا، وغيّرنا طريقة الإعداد من جذورها.

لذلك، فالسؤال الحقيقي لم يعد: ما وظائف المستقبل؟

بل: هل نصنع اليوم تعليمًا ومؤسساتٍ قادرة على استقبال هذا المستقبل بثقة… لا بدهشة؟

الأكثر قراءة

z