جان يعقوب جبور
في بداية عام 2026، أردت أن أطرح سؤالًا مهمًا حول قدرات الدولة اللبنانية لحماية مواطنيها وحول مفهوم التعافي الحقيقي بمنظوره السياسي؟
لم تكن الأزمة اللبنانية يومًا أزمة أرقام فقط، ولا مجرد انهيار مالي أو تعثر إداري، بل هي في جوهرها أزمة سياسة انفصلت عن الإنسان، وأدارت ظهرها لكرامته وحقوقه. من هنا، فإنَّ أي حديث عن تعافٍ سياسي لا يستقيم ما لم يُربط صراحةً بإعادة الاعتبار للبعد الإنساني بوصفه أساس الدولة وغاية الحكم.
على مدى سنوات طويلة، بُنيت الحياة السياسية في لبنان على منطق التوازنات الطائفية والصفقات المرحلية، لا على مفهوم المواطنة أو العدالة الاجتماعية. نجح هذا النموذج في تأجيل الانفجار، لكنه فشل فشلًا ذريعًا في بناء دولة قادرة على حماية مواطنيها عند أول اختبار حقيقي. ومع الانهيار الشامل، انكشفت هشاشة النظام، وسقطت الأقنعة عن سلطة لم تمتلك لا رؤية ولا أدوات إنقاذ.
التعافي السياسي لا يعني إعادة تدوير السلطة نفسها بأسماء مُختلفة، ولا الاكتفاء بتشكيل حكومات تسوية بلا برنامج إصلاحي واضح. التعافي الحقيقي هو انتقال جذري من سياسة الغلبة والمحاصصة إلى سياسة المؤسسات والمساءلة، ومن منطق الزعامة إلى منطق الدولة. إنه تحوّل في الثقافة السياسية قبل أن يكون تغييرًا في الأشخاص.
غير أنَّ هذا التحول يبقى ناقصًا إن لم يكن الإنسان في صلبه. فما قيمة أي إصلاح مالي إذا كان المواطن عاجزًا عن تأمين دوائه؟ وما جدوى أي استقرار سياسي إذا كان الشباب يرون الهجرة خلاصهم الوحيد؟ وكيف يمكن الحديث عن دولة فيما تُترك الفئات الأكثر ضعفًا لمصيرها، بلا ضمانات صحية أو اجتماعية أو قضائية؟
الإنسانية في السياسة ليست ترفًا أخلاقيًا ولا خطابًا عاطفيًا، بل هي معيار للحكم الرشيد. دولة تُقاس بقدرتها على حماية كرامة مواطنيها، وتأمين الحد الأدنى من العدالة والعيش الكريم لهم. ومن دون هذا المعيار، يتحول أي "تعافٍ" إلى مجرد مسكن مؤقت يؤجل الانهيار ولا يمنعه.
هنا يبرز دور النخب الفكرية والإعلامية، والمجتمع المدني، في إعادة توجيه النقاش العام. فالمطلوب كسر الحلقة المفرغة التي تختزل السياسة بالصراع على السلطة، وإعادة ربطها بحقوق الإنسان والمصلحة العامة. المساءلة يجب أن تكون على أساس ما تقدمه السلطة للناس، لا على أساس انتماءاتها وتحالفاتها.
وفي الخلاصة.. إنَّ لبنان لا يحتاج فقط إلى خطط إنقاذ اقتصادي، بل إلى استعادة معنى السياسة بوصفها خدمة عامة. حين تصبح كرامة المُواطن خطًا أحمر، وحين تُبنى السياسات على أساس حماية الإنسان لا استنزافه، عندها فقط يمكن الحديث عن تعافٍ سياسي حقيقي، وعن وطن يستحق أن يُعاش فيه لا أن يُغادر.
