سعيد المالكي **
في مسيرة أي مجتمع يسعى إلى التقدم، يظل النقد البنّاء أحد أهم أدوات الإصلاح، لكنه في الوقت ذاته أشبه بسيفٍ ذي حدّين؛ فالنقد إن خرج عن مساره، تحوّل من وسيلة لتحسين الواقع إلى سبب لخلق مزيد من التوتر والاحتقان.
والطبيعة البشرية، منذ القدم، لا تتقبل النقد القاسي أو المهين، حتى عندما يكون الإنسان على خطأ. والتاريخ مليء بقصصٍ تثبت هذه الحقيقة؛ فكم من نصيحةٍ صادقة ضاعت قيمتها لأن صاحبها اختار أسلوبًا جارحًا، وكم من قائدٍ أو مسؤولٍ أدار ظهره للحق فقط لأن من واجهه لم يحفظ له كرامته. فلكل فعلٍ ردةُ فعلٍ مساوٍ له في المقدار، وإذا كان الفعل قاسيًا جاءت ردة الفعل أعنف.
ولهذا، فإن النقد الذي يتضمّن تجريحًا أو طعنًا في النوايا أو قذفًا في الأعراض لا يُصلح خللًا، بل يخلق خللًا آخر. فالخطأ الإداري أو الإنساني، مهما كان حجمه، لا يرقى إلى مستوى مسائل العقيدة أو التكفير التي شدّد ديننا الحنيف على خطورتها، فكيف نسمح لأنفسنا بتحويل الخطأ الإداري إلى ساحة خصومة وإساءة؟
ولا أؤمن شخصيًا بالنقد لأجل النقد؛ فالنقد الحقيقي يجب أن يحمل نية الإصلاح وتمنّي الأفضل، وإلا فقد قيمته تمامًا. لذلك، عندما أكتب رأيًا أو أقدّم ملاحظة، أضع نفسي دائمًا في موقع الشخص أو الجهة التي أوجّه لها النقد. ربما توجد تفاصيل لا أعرفها، وربما هناك ضغوط أو معوّقات أو حقائق غير معلنة دفعت ذلك المسؤول لاتخاذ قرارٍ معيّن. فإن خرج نقدي بقدر من الاحترام، وجدته مقبولًا، بل وربما دفع الجهة المعنية إلى التوضيح أو إلى تعديل المسار. أمّا النقد الهجومي الجارح، فهو يغلق الأبواب ويزرع الخصومة بدل الحوار.
ومع ذلك، فإن مسؤولية النقد لا تقع على المواطن وحده. فكما نطالب أنفسنا بالهدوء والاتزان في طرح الملاحظات، نطالب المسؤولين والمؤسسات الحكومية بتقبّل النقد والاستفسار المحترم، حتى لو لم يكن الناقد مُحقًّا تمامًا. فحقّ المواطن في السؤال لا يقل أهمية عن حقّ الجهة في التوضيح، لأن من حق الناس أن يفهموا ما يجري حولهم، ومن واجب الجهات أن تشرح وتبين، فكل ما هو قائم في هذه البلاد إنما وجد لخدمتهم.
ولست هنا بصدد نقد الناقد ولا الدفاع عن المُنتقد؛ فالمسألة ليست مباراة بين طرفين، بل بحث عن نقطة التقاء تحقق المصلحة العامة. إنما أقول: كما أن على الناقد الالتزام بأخلاق النقد البنّاء، فإن على المنتقد أن يتقبل ما يصل إليه من نقد، مهما كانت وسيلته: كتابة، أو طرحًا علنيًا، أو عبر منصات التواصل الحديثة. فقد تغيّر الزمن، وتطورت أدوات التعبير، ولم يعد بمقدور الجميع الوصول إلى المسؤول لتقديم النصح سرًّا أو مباشرة، ومن الطبيعي اليوم أن تصل الملاحظات عبر قنوات عامة، وهو أمر ينبغي استقباله بروح منفتحة ما دام النقد محترمًا وموضوعيًا.
إن تقبّل النقد الراقي يفتح باب الثقة، ويعزّز الشفافية، ويُشعر المواطن بأن صوته مسموع، وبأن المؤسسات قريبة منه وليست بعيدة عنه. أما تجاهل الأسئلة أو التعالي عليها، فلا يصنع إلا فجوة لا يحتاجها الوطن.
نحن في حاجة إلى نقدٍ منظّم، محترم، موضوعي؛ نقدٍ يبحث عن الحقيقة لا عن الانتصار، وعن الإصلاح لا عن التشهير. فبه وحده تتحول الكلمات إلى أفعال، والآراء إلى تحسينات، والنقاش إلى خطوات إيجابية تدفع عجلة الوطن إلى الأمام.
** مترجم وخبير إداري
