صاحب السمو السيد/ نمير بن سالم آل سعيد
يسعى المرءُ لامتلاك ما ينقصه؛ فيجتهد ويتعب ويُضحِّي، وحين يتحقق مراده تغمره فرحة عابرة مؤقتة سرعان ما تخمد وتتلاشى. ولذا ترى فرحة امتلاك الأشياء لا تبقى إلّا لدقائق أو ساعات أو أيام قليلة ثم تنسل مُغادرة كما جاءت في هدوء تاركة شعورًا محايدًا باهتًا وربما شيئًا من الملل والخيبة.
وهنا تكمن مفارقة الإنسان؛ فمهما كثرت أملاكه، فأول ما يمتلكها تحولها عيناه إلى العادي، لتنساب في يومه واقعًا مألوفًا متكررًا مملًا، فلا تعد توقظ فيه شعور الفرح والانشراح والنشوة؛ ليؤججه سؤال لا يهدأ: وماذا بعد؟ وهكذا يبدأ باحثًا عن شيء آخر ينقصه مفقودًا من حياته لتحقيقه، وحين يفشل في العثور عليه يتسلسل إليه الهَمُّ والضيق ويُخيِّم عليه الاستياء. ولنقل إنه ينسى التسعة وتسعين نعمة وينشغل بالنعمة الواحدة التي لم يحصل عليها، متغافلًا عن حقيقة أن "ليس كل ما يتمناه المرء يدركه".
ولا يقتصر ذلك على الجوانب المادية المكتسبة؛ بل يمتد إلى علاقاته الاجتماعية والأسرية وصحته ومظهره وتعاملاته اليومية وغيرها من الأمور الحياتية. وأي نقص أو خلل هنا أو هناك يتصدر جليًا لديه عن دونه من مكتملات ليُؤرِّقه ويُشغِل تفكيره.
هكذا ديدن الأغلبية من الناس وإنما هناك أيضًا من يتوقف عن الاندفاع لملء نواقص حياته ليس لأنَّه في قناعة واكتفاء، وإنما لأنه مدركٌ لعجزه عن إكمال نواقصه، راضخًا لتدابير الحياة خاضعًا لمشيئة القدر ومستسلمًا، يمضي في دروب الحياة حيثما تأخذه لا يلوي على شيء.
يُروى أن ملكًا تعجب من سعادة خادمه الدائمة رغم بساطة عيشته وتواضعها، بينما هو الملك المحاط بالنِّعم والسُلطة من كل صوب، ومع ذلك لا يعرف للسعادة طعمًا، تُثقل فكرَه همومُ السلطة والتزاماتها، لا يهدأ ولا يستكين. فسأل الملك مستشاره: لماذا يبدو هذا الرجل دائم الانشراح مُشرق الوجه يغمره الرضا والتفاؤل؟
فأجاب المستشار: هذا الإنسان البسيط لا أعباء تُثقل كاهله، ولا أحداث تُقلق نفسه، ولديه مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه وحياته هادئة مستقرة، ولذا تراه سعيدًا مُبتسمًا، ثم قال المستشار: دعنا نُجرِّب عليه نظرية التسعة والتسعين ناقص واحد، ثم نرى كيف ستكون حالته؟
امنح الخادم كيسًا من النقود فيه تسعة وتسعين دينارًا وأخبره أنَّ في الكيس 100 دينار!
أخذ الخادم العطية وعاد إلى بيته مُبشِّرًا أهله بالنقود المائة التي حصل عليها، وحين فتح الكيس وجد دينارًا واحدًا ناقصًا؛ فبحث عنه في البيت وفي الشارع لعلَّه سقط منه في مكان ما! لكن لم يجده فتحولت فرحته إلى ضيق وحزن على فقد الدينار.
وفي اليوم التالي جاء إلى القصر وقد غابتْ عنه الابتسامة واعتراه الهَمُّ من فَقْد الدينار، مُتناسيًا التسعة والتسعين دينارًا التي حصل عليها.
هكذا يكون الإنسان في أغلب الأحوال، لا يُبصر إلّا ما ينقصه، وليس ما يملكه من نعم.
يملك التسعة وتسعين، لكن عيناه مُعلقةٌ على ذلك الواحد المفقود.
النِعَم موجودة لدينا، حاضرة حولنا، ولكن وعينا غالبًا لا يفكر فيها.. يزهدها ويغفل عن أهميتها أحيانًا كثيرة. وهنا الفرح لا يكون بما نملكه من نِعَم؛ بل بإدراك قيمتها العالية بعد امتلاكها لا بعد فقدها.
والحكمة في أن نتعلم التوقف قليلًا للنظر إلى التسعة والتسعين بامتنان، بروح شاكرة مُقدِّرَة مُطمئنة؛ فيحِلُّ علينا رضا دائمٌ لا يغادرنا، حتى لا تضيع أعمارنا- عامًا بعد عام- في هَمٍّ وعناءٍ وقلقٍ بحثًا عن ذلك الواحد المفقود الذي لن نجده أبدًا.
