اكتمال ينتظر صاحبه

 

 

 

سلطان بن محمد القاسمي

لم يتغير شيء حولي تقريبًا، نفس الأماكن، نفس الوجوه، نفس التفاصيل التي تتكرر كل يوم دون إضافة تُذكر. ومع ذلك، بدا في داخلي شيء لا يشبه هذا الثبات؛ كأن القلب يلتفت إلى جهة لا تراها العين بعد، وكأن الهدوء الذي يسكنني ليس وليد ما يحدث، بل ما يستعد أن يحدث دون إعلان. شعرت وكأن الحياة تُجري تعديلا صغيرا في أعماقي، لا أرى أثره بوضوح، لكنني أتبينه في طريقة استيعابي للأمور، في صبري الذي لم أعرف متى تعلّمته، وفي اتساع روحي لما كان يزعجها من قبل.

ببطء لا يسمعه أحد، بدأت بعض المعاني تتحرك في داخلي وتعيد ترتيب نفسها، كما لو أنها تهيئني لمرحلة لم أصل إليها بعد. لا جديد في الخارج، لكن هناك اتساعا لطيفا في الداخل، يشبه التنفس بعد ضيق طويل، ويشبه القوة حين تتشكل قبل الحاجة إليها. ومع مرور الأيام، اكتشفت أن القرارات التي لم أتخذها بعد كانت تبنيني بصمت، تدرّبني على ما هو قادم، وتختبر مدى اتزاني قبل أن أحتاجه. عندها أدركت أن الإنسان لا ينتظر التغييرات لتصنعه؛ بل يتغيّر قبل أن يعرف ماذا ينتظر، وكل ما يكتمل في الخارج يكون قد اكتمل قبل ذلك بكثير في القلب أولًا. فبعض النضج لا يعلن عن نفسه، لكنه يغيّر طريقة رؤيتنا لكل شيء.

ولعلّ أجمل ما يحدث لنا أننا نُشفى قبل أن نعرف أننا كنا مجروحين، ونصعد قبل أن ندرك أننا كنا في القاع؛ ففي داخل كل واحد منا معركة صغيرة لا يراها أحد؛ معركة لا تُدون في سيرة حياة، لكنها تُكتب في هيئة هدوء جديد، وصبر أعمق، ونظرة مختلفة إلى الأشياء. بل إن هناك لحظات يظن فيها الإنسان أنه واقف في مكانه، بينما هو في الحقيقة يتسع دون أن يُرى، مثل شجرة تمد جذورها بهدوء تحت الأرض، دون أن يشعر بها أحد.

وربما نفهم هذه الحقائق أكثر حين نراها في قصص غيرنا. ففي إحدى الأيام، سمعت قصة خطّاط عاش عمره يلاحق اكتمال الجمال. كان يبحث عن لوحة تليق بسنوات تعبه؛ فبدأ يرسم لوحة معقّدة التفاصيل، مهيبة الألوان، دقيقة الرسم، لكنها مهما اكتملت كان يصرّ على وجود زاوية خالية لا يمسّها بقلمه. سأله تلميذه الصغير يوما: لماذا تركت هذا الجزء ناقصا؟ هل ضَعُف تركيزك؟ أم لم تجد ما يليق بها؟ ابتسم الخطاط وترك السؤال معلّقا لسنوات، وكأن تلك الزاوية كانت تملك سرا لا يستعجل كشفه.

بعد زمن طويل، عاد التلميذ إلى معلمه، وقد صار فنانا بدوره، فوجد تلك الزاوية مكتملة بآيةٍ كُتبت بخطّ يختلف عن سائر اللوحة، كأنه خُلق بعد النضج لا بعد التعلّم. عندها فهم: لم يكن الخطاط عاجزًا عن إكمالها، بل كان ينتظر أن تكتمل روحه ليكتب الجزء الأجمل. بعض الأعمال لا تنمو بمهارتنا وحدها… بل بنضجنا نحن. بعض الاكتمالات تأتي في الوقت الذي نكون فيه مستحقين لها، لا حين نكون مستعجلين عليها.

هذه القصة جعلتني أرى أن ما لم يحدث بعد، قد يكون في طريقه إلينا ببطء محسوب، وأن بعض التأخيرات ليست فشلا، بل نوعا من الاحترام لما يجب أن نكون عليه حين نصل. ربما نحن لا نحصل على الأشياء حين نريدها، لأن الله ينتظر أن نصبح قادرين على فهمها والعيش معها بوعي أكبر. فما قيمة نجاح لم نبلغ عمره الداخلي؟ وما قيمة علاقة لا يقابلها نضج؟ وما قيمة مكسب لا يملك صاحبه اتساع الروح لاحتوائه؟ لقد صار واضحًا لي أن الحياة لا تمنحنا الأشياء لأنها قريبة، بل لأنها مناسبة.

وكلما نظرت حولي، أيقنت أن كثيرا مما ننتظره ليس متأخرا كما نظن، وإنما نحن من كنا نحتاج أن نتأخر قليلا، لنصل أكثر وعيا، أكثر قوة، وأكثر استعدادا. فالله لا يعطينا الأشياء حين نطلبها، بل حين نصبح قادرين على حملها. وهذا أعظم أشكال الرحمة التي لا ننتبه لها. وإن لحظات الشفاء دائما هادئة، لكنها أصدق من كل الكلمات؛ لأنها تغيّرنا دون أن نسألها، وتجعلنا نكفّ عن الركض، ونتجه إلى العيش لا إلى المطاردة المستمرة لشيء لا نعرف إن كنا أهلا له.

ولست أنكر أن هناك أشياء تمنيت أن تحدث ولم تحدث، لكنها حين لم تقع، حدثت داخلي بطريقة أخرى؛ صنعت اتزاني، وقوّت ظهري، وعلّمتني ألا أطلب من الحياة إلا ما يستحق أن يبقى. وبعض الأشخاص الذين لم يكتمل حضورهم، اكتمل أثرهم. وبعض الطرق التي لم أسلكها، علّمتني أين أضع قدمي في الطرق الأخرى. اليوم لم أعد أبحث عن اكتمال خارجي، بقدر ما أبحث عن اكتمال هادئ في داخلي؛ يشبه تلك الزاوية التي انتظر الخطاط عمرا ليملأها، لأنها تحتاج إلى قلب كامل، لا إلى يد ماهرة. فالسلام الذي نبنيه في أنفسنا أهم من الصورة التي نُظهرها للعالم.

أستطيع القول الآن: لست هو الشخص الذي كنته قبل سنة، ولا قبل شهر، ولا حتى قبل أسبوع. هناك شيء يتغيّر في داخلي كلما ظننت أنني انتهيت؛ شيء يعيد تشكيل روحي، ويربّت على كتفي، ويقول لي بهدوء يشبه دعاء:

سأكشف لك ما كنت تريده… حين تصبح جديرا برؤيته.

سأعطيك ما تمنيت… حين تتعلم كيف تحمله دون أن يؤذيك.

سأريك من أنت… قبل أن أريك ما تريد أن تكون.

وهكذا تعلمت أن ما لم يحدث بعد، يحدث في داخلي أولا. وأن هذا وحده يكفيني لأمضي بخفة، دون خوف من الغد، ودون انتظار طويل يشقّ القلب. لأن أكثر الانتصارات صمتا، هي تلك التي تحدث في الداخل قبل أن يراها أحد، وتصبح بعد حين أكبر مما تمنيناه، تماما كزاوية انتظرت سنوات حتى اكتملت، لأنها كانت تنتظر اكتمال صاحبها أولا.

 

الأكثر قراءة

z