الرؤية – ناصر العبري
يشكو الكثير من المرضى والمراجعين للمؤسسات الصحية الحكومية من تأخر المواعيد الطبية لمدد قد تصل إلى 6 أشهر أو سنة كاملة، لا سيما في بعض الحالات، فضلًا عن أزمة عدم وجود أسرّة شاغرة في مستشفيات مثل مستشفى الجامعة أو مستشفى خولة أو المستشفى السلطاني، وهو ما قد يزيد من معاناة بعض المرضى، خاصة غير القادرين على العلاج في مؤسسات القطاع الصحي الخاص.
وعزا الكاتب والإعلامي إسحاق بن يوسف بن سعيد الحارثي تأخر المواعيد الطبية إلى قلة الكوادر البشرية التي تعاني منها وزارة الصحة بشكل عام، سواء من الأطباء أو الممرضين أو الموظفين الإداريين؛ مشيرًا إلى أن هذه الإشكالية تنعكس على تأخير العمليات بمختلف أنواعها، فضلًا عن مواعيد المرضى ذوي الأمراض المزمنة كالسكري والضغط والكولسترول وأمراض القلب والشرايين، والتي قد تمتد إلى ما بين 3 و6 أشهر.
وأضاف الحارثي قائلاً: "من وجهة نظري، فإن تأخر المواعيد لفترات طويلة لا يساعد المرضى على الشفاء، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة التي عادة ما تصيب كبار السن، والذين يحتاجون إلى رعاية واهتمام ومتابعة بالغة ومستمرة، ويجب أن تكون مواعيدهم أسرع ولا تحتمل طول فترة الانتظار". منوهًا إلى أن الوزارة تدرك ذلك، لكن النقص الكبير في الكوادر الصحية يجبرها على زيادة فترات الانتظار التي تصل في بعض الأحيان إلى 6 أشهر.
واقترح الحارثي أن تقوم الوزارة بزيادة أعداد الكوادر الطبية العاملة في مختلف المجالات للتغلب على مشكلة طول فترات الانتظار، وحتى لا يضطر المرضى إلى البحث عن أماكن أخرى للعلاج مما قد يفاقم إصاباتهم وأمراضهم، وقد لا يتمكن معظمهم من تحمّل تكاليف المستشفيات الخاصة.
وأشار الحارثي إلى معضلة أخرى تواجه المرضى المحولين إلى المستشفى السلطاني أو مستشفى الجامعة، وهي عدم توافر أسرّة شاغرة في كثير من الأحيان، منوهًا إلى أنها مشكلة قديمة تواجه المرضى منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى اليوم. ويرى أن هذه المشكلة تعود كذلك إلى نقص الكوادر الطبية، وليست مرتبطة بالأمور اللوجستية التي يمكن حلها من قبل الجهات المعنية.
وأكد الحارثي أن بعض الشركات الكبرى العاملة في السلطنة قادرة – من خلال بنود خدمة المجتمع – على توفير خدمات لوجستية للمستشفيات كالأسِرّة وغيرها، مشيرًا إلى أن هذه ليست المشكلة الرئيسة، بل تكمن المشكلة في وجود من يرعى المريض ويقدم له الخدمة العلاجية ويتابع حالته الصحية، في ظل الضغط الكبير الذي تعانيه الكوادر الصحية بمختلف تخصصاتها. وبيّن أن السلطنة تضم عددًا مقدرًا من المعاهد الصحية والطبية، فضلًا عن الجامعات والكليات الخاصة التي تخرّج كل عام أعدادًا كبيرة من الأطباء والممرضين، مطالبًا بإتاحة الفرصة لهؤلاء الخريجين لسد النقص الذي تعاني منه وزارة الصحة والمستشفيات في السلطنة.
ومن جانبه، قال المواطن حميد بن حمد المنذري إن موضوع تأخر المواعيد يمثل معاناة كبيرة للمرضى وذويهم، خاصة في بعض التخصصات مثل العظام والعمليات الجراحية، مشيرًا إلى إمكانية التغلب على هذا التحدي من خلال تعزيز الكوادر الطبية والتمريضية، والاستفادة من القطاع الصحي الخاص لتقليل قوائم الانتظار، فضلًا عن إمكانية تفعيل العيادات التخصصية المسائية وزيادة الاعتماد على متابعة بعض الحالات عن بُعد، منوهًا إلى أن ذلك سيسهم في تقليص فترة الانتظار وتحسين رضا المرضى.
وأوضح المنذري أن محدودية الأسرّة في المستشفى السلطاني ومستشفى الجامعة تشكل بالفعل معضلة أمام الكثير من الحالات التي تحتاج إلى التحويل، مضيفًا أن الحل يكمن في التوسع بإنشاء مراكز تخصصية في المحافظات لتقليل الضغط على المستشفيات المركزية، إلى جانب زيادة الطاقة الاستيعابية في هذه المستشفيات، وتطبيق نظام أولويات واضح وشفاف، وكذلك تعزيز التكامل مع مستشفيات القطاع الخاص، معتبرًا أن هذه الخطوات ستسهم في تقليل معاناة المرضى وتسريع حصولهم على الخدمة الطبية.
وقال المواطن إبراهيم عبدالله صالح القرني إن معاناة المريض تزداد بألم الانتظار وتأجيل المواعيد، كاشفًا عن أنه يعاني من هذا الأمر منذ أربع سنوات حيث يعيش في "دوامة لا تنتهي عنوانها انتظار المواعيد"، موضحًا أنه يعاني من إصابة في الرباط الصليبي والغضروف، وأنه في كل مرة تصله رسالة يظن أنها موعد العملية ثم يُفاجأ بالتأجيل مرة أخرى. ولفت إلى أن إصابته سببت له ألمًا كبيرًا ومنعته من الحركة وممارسة حياته اليومية، مشيرًا إلى أن طول مدة الانتظار أقسى من المرض نفسه، حيث تسبب في فقدانه للعديد من الفرص.
وأضاف: "رياضيًا توقفت، مهنيًا تعثرت، وحتى اجتماعيًا أصبحت أقل نشاطًا. فما معنى أن يعيش الإنسان أسيرًا لموعد طبي مجهول قد يأتي أو لا يأتي؟". وتابع القرني: "ما نحتاجه نحن المرضى ليس مجرد وعود مؤجلة، بل نظامًا صحيًا يضع معاناة المريض في المقدمة، ويدرك أن التأخير ليس رقمًا في قائمة الانتظار، بل حياة تتعطل، وأحلام تُؤجّل، وألم يتضاعف"، مشددًا على ضرورة إيصال صوت المرضى للجهات المعنية. وأكد أنه رغم معاناته لم يفقد الأمل، ويرجو أن يسمع خبرًا مؤكدًا عن موعد العملية بعد رحلة الانتظار الطويلة.
وأوضحت الكاتبة والشاعرة سارة بنت علي بن ناصر البريكية أن التأخير في المواعيد الطبية أمر لا يجب أن يحدث في مؤسساتنا الصحية، خاصة بعد النهضة التي شهدها هذا القطاع والتطورات التي أحدثها الاهتمام الحكومي بصحة المواطنين، مشيرة إلى حسن التعامل الذي لقيته في آخر زيارة لها لأحد المستشفيات الحكومية بعد إصابتها بألم في الركبة، لكنها فوجئت في النهاية بتحديد موعد مع طبيب العظام بعد نصف عام، مبينة أنها شعرت بحزن شديد بسبب طول فترة الانتظار، مؤكدة ضرورة أن ينظر المسؤولون عن إدارة المستشفيات في هذا الأمر بجدية، والعمل على تقليص فترات الانتظار بقدر الإمكان.
وقالت غزلان بنت علي بن محمد البلوشية – استشارية في التطوير المؤسسي وتحليل بيئة الأعمال وذكاء الأعمال – إنها كانت منسقة لعمليات المرضى لجراحة العظام، ومدركة لحجم المشكلة. وأشارت إلى أن فترات الانتظار، وخاصة في عيادات العظام وعملياتها، تستمر لفترات طويلة، وعزت ذلك إلى عدة أسباب منها: إدراج المرضى في جداول العمليات دون تقييم دقيق من الاستشاريين، مما يؤدي إلى عشوائية في ترتيب الأولويات، وعدم توفر بعض الأدوات والمعدات الجراحية اللازمة في الوقت المناسب، مما يؤدي إلى تعطيل وتأجيل العمليات، إلى جانب غياب قوائم بديلة للمرضى الجاهزين عند إلغاء العمليات، ما يهدر وقت غرف العمليات ويضاعف قوائم الانتظار.
وأضافت أن من بين الإشكالات أيضًا عدم وجود خطة علاجية ومتابعة دقيقة للمرضى، وعدم التواصل معهم لمعرفة ما إذا كانوا قد أجروا العملية في مكان آخر أم لا. واقترحت ضرورة توفير المعدات الجراحية بشكل استباقي عبر خطط مشتريات واضحة، حتى لا تُلغى العمليات بسبب نقص الأدوات، ووضع خطة علاجية لمرضى السمنة تبدأ ببرامج إنقاص وزن وتأهيل قبل العملية، مع متابعة دورية تمنحهم فرصة الاستعداد للجراحة.
كما شددت البلوشية على ضرورة متابعة دقيقة للمرضى، وخاصة أصحاب الأمراض المزمنة مثل القلب والضغط والسكري، قبل إدراجهم في جداول العمليات للتأكد من جاهزيتهم، مع إعادة جدولة العمليات بوضوح وإعداد قوائم بديلة من المرضى الجاهزين، بحيث لا يضيع وقت غرف العمليات عند الاعتذار أو الإلغاء. وأوصت بالتواصل المباشر مع المرضى للتأكد من إتمام الفحوصات واستعدادهم الطبي قبل موعد العملية.
واقترحت كذلك توسيع نطاق ساعات العمل الجراحي ليشمل الفترة المسائية بدلًا من الاكتفاء بالدوام الصباحي، لزيادة الطاقة الاستيعابية وتقليص قوائم الانتظار، إلى جانب تأهيل فرق التنسيق بدورات في إدارة الأعمال الصحية (التخطيط، التفويض، التحليل، إدارة المخاطر)، ومنحهم صلاحيات فورية لاتخاذ القرارات.