"وطارن الفلوس"!

 

 

 

خلفان الطوقي

 

انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى مدى أسبوعين، حادثةُ إحدى الشركات التي استطاعت الإيقاع بالآلاف من المواطنين والمقيمين في شِباكها، من خلال إيهامهم بالاشتراك بمبلغ معين في برنامجها، ومن ثم جذب مزيد من الزبائن، وكلما زاد عدد الزبائن الذين تُقنعهم، زادت أرباحك. وكلما اشتريت من عدد من المحال إلكترونيًا، زاد عدد نقاطك، وهذه النقاط تتحول إلى مبلغ مالي، في محاولة لتفادي مسمّى التسويق الهرمي أو الشبكي الممنوع دوليًا ومحليًا.

يتفنن مثل هؤلاء النصَّابين في شرعنة ما يقومون به بحِيَل وأساليب للتهرّب من إدانتهم قانونيًا، ويدخلون على ضحاياهم من خلال الصحة تارة، أو التحول الرقمي، أو الدين، أو التطوير الذاتي والمؤتمرات، أو الثراء السريع، أو المباركة الحكومية، أو الجمع بين هذه الحِيَل والأكاذيب. وما أكثر مَن يسيل لعابهم، وتُدغدغ مشاعرهم تلك المنظمات المحترفة في السرقة والاحتيال، فيكونون فريسة جديدة لما يقومون به من نصب واحتيال.

صحيحٌ وكما يُقال: "إن القانون لا يحمي المغفلين"، إلّا أن طرق النصب والاحتيال في تطور وتزايد، ولا بُد من مجابهة سريعة ومُحكَمة. والطرق الوقائية تُقلِّل من أي صدمات اجتماعية أو اقتصادية، فمن المهم أن تبقى هذه الملايين من الريالات في دورتها داخل البلد، بدلًا من أن تختفي خارج البلاد وتكون هباءً منثورًا، فيخسر الاقتصاد المحلي من ناحية، ويزيد عدد الضحايا من ناحية أخرى، وبذلك تكون المشكلة مُركَّبة، وتمتد لأطراف وسلسلة لا تتوقف.

ما يُسمى بالتسويق الهرمي أو الشبكي قديم في العالم، وظهر في عُمان منذ الثمانينيات، وسوف يستمر هذا النوع من النصب بحِيَل مبتكرة، وهو ما يُسمى بنموذج بونزي (Ponzi scheme) (المهاجر الإيطالي الشهير صاحب أكبر عملية احتيال في الولايات المتحدة عام 1920). وتبقى النتيجة الوحيدة الحتمية سرقة أموال الضحايا وهجرتها خارج عُمان.

ولا يمكن لوم جهة حكومية واحدة في حال استطاع هؤلاء المجرمون تهريب هذه الأموال إلى خارج عُمان، أو تأخَّر اكتشاف ما يقومون به من ألاعيب خارجة عن القانون. لذلك لا بُد من أن تكون المعالجات الوقائية متكاملة ومبكرة، ويمكن اقتراح عدد من المعالجات؛ أهمها:

  1.  تأسيس فريق وطني للتدخُّل المبكِّر: وقد اقترحنا ذلك في مقالة سابقة بعنوان "فريق التدخل المبكِّر"، وسبق أن قدمنا شرحًا كاملًا حول أهمية هذا الفريق وآلية عمله، وكيفية توزيع الأدوار والمسؤوليات بين الجهات الحكومية المختصة.
  2.  التفاعل المجتمعي: إيجاد آلية سهلة ومباشرة، مكفولة بالحماية والسرية، للتبليغ من أفراد المجتمع عن الأعمال المشبوهة لجهة بعينها. فكم من شبهات يعرفها المجتمع وتُهمل في الإبلاغ عنها، بسبب عدم وجود مرجعية موحدة لتقديم البلاغات. فيتخوّف المبلِّغ من ضياع وقته وجهده، فيصمت بدلًا من الإبلاغ.
  3.  الابتكار في التوعية: معروف أن عمليات النصب والسرقة في تطور مستمر، لذلك لا بُد أن تكون الحملات التوعوية المُجابِهة لها حملات عصرية ومبتكرة ومقنعة لقلوب وعقول الفئات المستهدفة، وخاصة الشباب المقبل على الحياة قليلي الخبرة والمعرفة الاستثمارية، وينبغي أن تكون هذه الحملات التوعوية جماعية من كافة الجهات الحكومية المختصة، بحيث تكون مليئة بالأفكار المبتكرة، إضافة إلى توزيع المسؤوليات الإدارية والمالية والتنظيمية والترويجية فيما بينها، وضمان استدامة وحوكمة هذه الحملات.

وأخيرًا.. إن العمل المؤسسي المتكامل سوف يحقق نتائج عديدة وفعّالة، وأهم هذه النتائج أنه سوف يُقلِّل من الجملة المحلية التي تتردد بعد كل حادثة مشابهة: "وطارن الفلوس"، إلى شيء أجدى وأنفع وهو: "وبقن الفلوس"، وتم صرفها في أماكنها الصحيحة، ليستفيد الاقتصاد بكل مكوناته.

الأكثر قراءة