كَسْرٌ في مِفْصَل التَّنهيدة وقصائد أخرى

ناصر أبو عون

من رحم الكلمة خرج أحمد جمعة شاعرًا، قَدَّ قميص الإبداع من قُبُلٍ ومن دُبُرٍ، ولم يأبه للسيوف المستلة من أغمادها، خلف باب القصيدة، ينثُرُ تِبْرِ الحروف على رؤوس المتربصين بالشعراء الخوارج، والمتمردين على ستاتيكية الشعر القديم، يُغافلُ حُرّاس بحورِ الخليل، ويكسرُ الحواجز المنصوبة على طرقات الشعر، ويسخرُ من سدنة النقد وكهنة المعاجم، ويكتب نصوصا غرائبية.

أحمد جمعة يكتب الناس في أغيارها، يقصُّ سيرة أوجاعها، ينْخُل المآسي، ويغربِّلُ الآلام، وينفض الغبار عن المعادن النفيسة في حياة المقهورين، والمنبوذين، ويسرد تفاصيل المهمشين.. ببساطة يبدعُ الشاعر في رسم صورٍ واقعية غير مفلترة، ولا يستعير فرشاة الشِّعر من معاصريه، ولا يغمس سِنّ قلمه في مَحبرة سابقيه؛ لإضافة رتوش تجميلية في الهوامش والمتون تواري قبح الواقع وتخفف من وطأة المأساة. فقط ينبش الشاعر التفاصيل اللامرئية للحياة اليومية؛ ليفضح المسكوت عنه.

من يقرأ مخطوطات هذا الشاعر يقرأ صورة وسيرة الإنسان؛ المختلف والمؤتلف، الناقم والحالم، المتمرِّد والمُسالم، المستبد والعادل، السويّ واللاسويّ، الإنسان الشيطان، وما بينهما ملاك، ويصحبه معه إلى براح القصيدة، ويدخل من عتبات الحلم، يفضُّ بكارة المعنى، ويعيد ترتيب درجات السلم الموسيقي للصورة الشعرية، ويهبط بحضرته إلى دركات الجحيم اليوميّ والمُشاهَد، ويخطُّ بمداد الوجعِ الرغباتِ المخبوءةِ للسائرين في متاهة الوطن، مفتوحةً على محيط واسع من تأويلات الرؤى اللامتناهية.

في نصوص أحمد جمعة يمكنك أن ترى نفسك في فاصلة على ناصية القصيدة، وتستطيع اكتشاف كوامنك الخبيئة في استراحة السكتة اللطيفة بين المقاطع، وتشهق بتنهيدة طويلة عند وقوفك على نقطة في نهاية جملة شعرية طويلة، لتعاود اللهاث من جديد خلف التركيبات الثنائية للجمل الخبرية المتوالية في شكل نبضات متسارعة.

ما سبق دعوة مفتوحة لقراءة هذا المخطوط الشعري  والذي يضم بين جنباته أربعة دواوين تبدأ بـ(حجر في القلب)، متبوعًا بـ(كسر في مفصل التنهيدة)، ويتوسطها (لا أمَّ لي)، ومختومًا بـ(ربّما الحب يفتح نافذة).

 

تعليق عبر الفيس بوك