انترنت الأشياء وانترنت المحتوى

عبيدلي العبيدلي

كأية ظاهرة عرفتها المجتمعات البشرية، ولدت الإنترنت مفرداتها الخاصة بها، وكانت الأكثر شيوعا، بينها هو "الويب"، أو الشبكة العنكبوتية. ورغم استخدام التعبيرين، "الإنترنت"، و"الويب"، بشكل مترادف في نسبة لا بأس بها من الأدبيات ذات العلاقة، لكن وجدنا هناك من يضع لكل منهما مفهوما مختلفا عن الآخر، لعلّ الابسط بينها، أنّه بينما يعتبر الأولى، وهي الإنترنت، قناة للاتصال ناقلة للمحتوى، يرى في الأخرى، الويب" مجرد حاضنة له.

ومع تطور الإنترنت، أو حتى الويب، والتعقيدات التي رافقت هذا التطور، رأينا مشتقات متعددة رافقت تلك التطورات، لعل الأبرز بينها، فيما يتعلق بالإنترنت هو ما أصبح يعرف بـ "إنترنت الأشياء" (IoT)، ومؤخرا، "إنترنت المحتوى" (Internet of Content).  وقد كان المقصود بأنترنت الأشياء في مدلولاته البسيطة هو بمثابة "أسلوب تقني حديث يهدف إلى استقطاب الأشياء متمثلة بالأجهزة وأجهزة الاستشعار وإيصالها بشبكة الإنترنت لتتراسل البيانات فيما بينها دون تدخل البشر في ذلك، ويكون ذلك تلقائيًا في حال تواجد الشيء في المنطقة الجغرافية التي تغطيها شبكة الإنترنت. ومن أبرز الأمثلة الحيّة على ذلك هو ضبط وسائل التدفئة ضمن مبنى من تشغيل وإغلاق، كما ينطبق ذلك أيضًا على الإضاءة وتشغيل بعض الآلات ووسائل الإنتاج ومتابعتها أولًا بأول؛ وبالتالي الإبلاغ المسبق عن احتمالية وجود خطأ أو خلل في الأجهزة قبل وقوعها وتداركها".

وللعلم، يعود تاريخ صياغة هذا المصطلح إلى مطلع التسعينيات من القرن الماضي، ويقف وراء بنائه رجل الأعمال كيفين إشتون " Kevin Ashton"، الذي كان حينها "أحد أفراد الفريق الذي ربط الأشياء عبر شبكة الإنترنت، وقال إنّه استخدم مصطلح إنترنت الأشياء لأول مرّة في العرض الذي قدّمه في عام 1999، وبقي هذا المصطلح مرافقًا له منذ ذلك الحين".

أمّا بالنسبة لمصطلح "انترنت المحتوى"، فللأمانة التاريخية، أول مرة التقي بهذا المحتوى كان في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي (يونيو 2019)، في حفل الإعلان عن  الأعمال الفائزة في لقاء تقيمه "جائزة القمة العالمية" للمحتوى (World Summit Award) الذي أقيم في العاصمة اللبنانية بيروت، وجاء على لسان الباحث النمساوي بيتر بروك (Peter Bruck).

وعندما حاولت البحث عنه في الإنترنت من خلال محرك البحث "غوغل"، أحالني، وكانت مصادفة مفاجئة، إلى ما أطلق عليه "محتوى الويب"، الذي تعرفه الموسوعة الإلكترونية "ويكيبيديا"، على النحو التالي " محتوى الويب دائما يعرض في شكل صفحة ويب مكتوبة بلغة تصميم صفحات الويب مثل لغة ترميز النص الفائق وقد يتكوّن موقع الويب من عدة صفحات كل منها له محتوى ويب مختلف. ويعرفLou Rosenfeld and Peter Morville المحتوى بأنّه أي شيء يمكن وضعه على موقع الويب، ويشمل ذلك الوثائق، والبيانات، والتطبيقات، والخدمات الإلكترونية، والصور، وملفات الصوت والفيديو، وصفحات الويب الشخصية، ورسائل البريد الإلكتروني المحفوظة".

وقد تطورت صناعة محتوى الويب، فبات لها برنامج لإدارة ذلك المحتوى (CMS)، ووصل الأمر بالبعض إلى وضع معايير لعرض ذلك المحتوى على صفحات الويب، مثل الدقة والوضوح، والترابط، والاختصار. وسارع البعض الآخر إلى تصميم قائمة تضم أنواع المحتوى المنشور على الويب من بينها، "المنشورات في المدونة، والأدلة الإرشادية، و المفاهيم والمصطلحات".

على أنّ كل ذلك لم يكن ما كان يرمي له بيتر بروك عندما أطلق مصطلح "انترنت المحتوى". فما يمكن أن يستشف، ولا أدعي أنّه بروك قد أشار إلى تعريف محدد، وإنّما أدون هنا ما استطعت أن احصره في المواصفات التالية:

•   إن انترنت المحتوى، كشقيقها انترنت الأشياء، سوف تكون معتمدة على ما هو متوفر اليوم فوق مواقع الويب. بمعنى أنّ المحتوى، تماما، كما هي الأشياء سوف يستفيد، ولن يخترع، ما تم نشره على الويب، بعد إدخال التعديلات الفنية والتقنية عليه كي ينتقل ليصبح في خانة "انترنت المحتوى".

•   إنّ انترنت المحتوى، تماما، كما شاهدنا في انترنت الأشياء، سوف يقلص من هامش اعتماده على التدخل البشري في صناعة المحتوى، أو الربط بين محتوى وآخر، وسيعوض ذلك بالاعتماد على ما أصبح يطلق عليه "الذكاء الاصطناعي" (AI) الذي سيتولى، بعيدا عن التدخل المباشر للإنسان، فهم المحتوى أولا، وتزويده بالقيمة المضافة التي يحتاج إليها، ثمّ بناء علاقات النسج العنكبوتيةWeb Weaving) )التي تضاعف من تلك القيمة المضافة.

•   تمامًا كما نلمس أو نشاهد في المعالجات التي تقوم بها، وتولد الجديد من خلال تلك المعالجة، في حالة انترنت الأشياء، سنجد أنّ صناعة انترنت المحتوى، ستتولى توليد الجديد من فوائد العلاقات التي سوف تبنيها بين مكوّنات المحتويات المختلفة المتوفرة على مواقع الإنترنت.

•   سوف يصدمنا، بشكل إيجابي، بناء القنوات والروابط التي بوسعها أن تتجاوز الموانع القائمة اليوم التي تحول دون تخاطب المحتوى المتوفر، بين بعضه البعض دون التدخل البشري. ولن يكون ذلك التخاطب تخاطبًا استاتيكيا جامدًا، بل سيتحلى، من خلال تدخل الذكاء الاصطناعي، بمواصفات جديدة غير تلك الأولى، التي ستكون بمثابة المواد الخام الأولية للمحتوى الجديد.

من الطبيعي، بل والمتوقع، أن تولِّد صناعة "انترنت المحتوى"، تمامًا كما ولدت "إنترنت الأشياء"، تحديات من نمط جديد أمام صناعة الانترنت العربية. وأكثر ما نخشاه أن تصدمنا الحقائق التي ستقوم على أرض الواقع، حين نجد أنّ جهات غير عربية هي من ستتولى تصنيع "انترنت المحتوى العربي"، التي لن تستطيع أن تتحاشى التشويه الذي سيكون أقله ضررًا ذلك التشويه العفوي غير المقصود النابع بالجهل بقوانين اللغة العربية. لكن ما هو أخطر على المستويين الحضاري، بل وحتى الاقتصادي، ذلك التشويه المقصود والممنهج، المنطلق من وعي مرسوم، وبعناية فائقة.

وربما الوقت لم يفت بعد كي نرى "انترنت المحتوى العربي"، ينطلق من بين أيدٍ عربية مسؤولة.