الثلاثاء, 25 يونيو 2019
42 °c

سيناريوهات الحرب والسلام في الخليج

السبت 18 مايو 2019 06:12 م بتوقيت مسقط

حاتم الطائي

أجواء المنطقة ملتهبة بالحشود العسكرية والتهديدات الجيواستراتيجية

اكتوينا بنيران الحروب طيلة عقود.. وحان الوقت لتنمية حقيقية مستدامة

دول الإقليم مطالبة بالتشبث بالسلام من أجل مستقبل أكثر ازدهارا واستقرارا

 

 

 

لا تكاد منطقتنا تلتقط أنفاسها من أزمة أو تنفض غبار حرب، إلا وتظهر في الأفق نذر أخرى تُلبِّد سماء الخليج بسحب قاتمة سوداء، ومن المؤسف أن بعض الفاعلين في إقليمنا المضطرب أساسا ينفخون في نيران الحرب، ويشعلون المواقف، تارة بأحداث يجري تضخيمها أو بتعنتهم في معارك وصراعات كانوا هم طرفا في تأجيجها ودفعها إلى شفا الهاوية.

وخلال الأسابيع القليلة الماضية، لم يكن حر الصيف فقط هو ما يلهب الأجواء في الخليج، بل إنّ حشودا عسكرية وتمركزات دفاعيّة ومنصّات هجومية فاقمت من ارتفاع درجة حرارة التوترات الجيواستراتيجية في المنطقة، وبدا أنّ هناك من يعد العدة ويكتب سيناريو حرب إقليمية، لا هدف لها سوى إرضاء خصوم إقليميين، وزيادة مبيعات السلاح بمليارات الدولارات. أبواق إعلامية تدق أجراس الخطر ليل نهار وتتهجم على من لا يشاركها النواح الكاذب بأنّها في مرمى النيران وتحت قصف جوي محتمل، يطلقون الأخبار العاجلة بين الفينة والأخرى تتحدث عن حشود عسكرية ووصول حاملات طائرات وسفن مدمرة ومقاتلات من أشد الطرازات قوة، جميعها تصطف في مياه الخليج الزرقاء، كي تحوله إلى بركة من الدماء الحمراء إذا ما انفلتت الأعصاب وخرجت الأمور عن سياق المنطق والحكمة.

ومما أجج الموقف وجعل البعض يظن أنّ قرار الحرب تم اتخاذه لكن ساعة الصفر يجري التحضير لها، ما أثير عن أحداث وقعت في عدد من دول المنطقة، بدا أنّها أحداث غير منطقية أو في أفضل التقديرات "مبالغ في وصفها"، أو حتى السماح بوقوعها لتحقيق مآرب وغايات تعجل باندلاع الحرب.

وفي أتون هذا التوتر المتصاعد، نقف أمام سيناريوهين بديهيين؛ الأول سيناريو الحرب، والثاني السلام والتفاوض على حفظ الاستقرار وحماية مقدرات الدول والشعوب. ورغم أن بعض الأطراف تبدو- وأؤكد أنها تبدو- راغبة في الحرب، لكنها بكل تأكيد لن تقدر على تحمل تبعاتها وهي تدرك ذلك جيدا، ولذا فهي تتراجع فورا مع انخفاض حدة التوتر، وترفع شعار "لننتظر"!

أقول لهذه الأطراف، إنّ منطقتنا اكتوت بنيران الحروب المدمرة على مدى العقود الماضية، ولم تستطع أن تنعم بما تحققه من تنمية كلما أحرزت تقدما، فما تلبث أن تحقق هذا التقدم إلا وتعرقله تداعيات حروب وصراعات بعيدة عنا بآلاف الكيلومترات. فمن حرب الخليج الأولى وما صاحبها من دمار، ثم حرب الخليج الثانية والمآسي التي سطرتها بدماء الضحايا، والغزو الأمريكي للعراق في 2003، وحرب اليمن، كل هذه الحروب والصراعات لم تسفر إلا عن مئات الآلاف من الضحايا بين قتلى ومصابين وأصحاب إعاقة، وزيادة بأعداد المشردين والمهجرين والنازحين الذين ضاقت بهم الدنيا ولم يجدوا سوى الشتات مصيرا لهم، جميعهم تفرقت بهم السبل وتقطعت أوصالهم وباتوا يواجهون مستقبلا غامضا لا أمل فيه سوى القليل الذي لن يتحقق بسهولة.

فما النفع الذي عاد على المنطقة من ويلات كل هذه الحروب؟ أُغرقت المنطقة في مزيد من العنف والدمار والديون، وانعدام التنمية وتفاقم معدلات الفقر وزيادة أعداد غير المتعلمين، وتراجع مستوى الحاصلين على شهادات علمية، وانخفاض الوعي بالحقوق والواجبات، وهبوط شديد في مستويات الوطنية داخل عدد من بلدان المنطقة، كل ذلك نتيجة للحروب والعنف والعنف المضاد الذي يُرتكب على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي دون تحريك ساكن.

الأشد فظاعة من تلك التأثيرات المباشرة للحروب، حالة الفوضى التي تتولد كنتيجة حتمية، فوضى ليست خلاقة كما كانت تأمل أمريكا قبل ما يزيد على عقد مضى، بل هي فوضى هدامة تأتي على الأخضر واليابس، فانهارت مؤسسات الدولة في هذه البلدان، فتشتت الجيوش ولم يعد ولاء العسكريين للدولة الوطن، بل للدولة التنظيم، فظهر تنظيم داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية، التي وجد فيها البعض حواضن لهم يطلقون من خلالها جام غضبهم على الآخرين، سواء كان المحتل الغاصب أو المواطن الأعزل.

ولذا وفي خضم هذه الأحداث العظام التي مرت بنا خلال السنوات الأخيرة وشهدت تفكك دول وانهيار منظومتها الأساسية، لا يمكن أن نتخيل حجم الدمار الذي قد ينجم إذا ما اندلعت حرب أخرى، فهذه المرة لن تكون الحرب نزهة أو فرصة لاختبار كفاءة أسلحة ومعدات عسكرية، بل ستكون جحيما على الجميع، فإذا ما اندلعت النيران لن تمر الصادرات النفطية عبر الخليج، والتي تمثل شريان طاقة للكثير من دول العالم، وتوقف بيع النفط يعني أنّ دمارا اقتصاديا سيلحق بهذه الدول النفطية، فلا موارد لديها غير النفط كي تدير بها شؤونها.

إذن هل تستسلم هذه الدول لنذر الحرب وتنتظر الأسوأ؟ أم تدافع عن الحق في العيش الآمن والحفاظ على ما تحقق من استقرار وتنمية؟ أرى أنّ أي دولة لا تحرص على السلام والاستقرار فهي تعلن بذلك انهيارها ودمارها، وذلك ليس تشاؤما، بل إنّ الحرب هي التشاؤم بعينه، الدماء هي الدمار، القصف هو الخراب، لن تجني هذه الدول سوى الخسران المبين.

وفي المقابل، لا حل أمام الجميع سوى التشبث بالسلام والحوار والمفاوضات، وتعزيز الاستقرار عبر التنمية لا من خلال المعارك، دول المنطقة مطالبة الآن أكثر من أي وقت مضى بأن تجلس على مائدة التفاوض مع من ترى أنهم يمثلون تهديدا لهم، كفانا عقودا طويلة من الحرب والدمار، تسببت في تأخرنا عن الركب الحضاري للأمم المتقدمة، فلم يظهر من بيننا ابن الهيثم مجددا، ولم تخرج جامعاتنا في الدول العربية جابر بن حيان آخر، لم تستطع دولة عربية حتى الآن أن تنتج سلعة قادرة على غزو الأسواق العالمية، بتنا مستهلكين للتكنولوجيا رغم ما نملكه من مقومات وعقول فذة تنتظر فقط من يدعمها، لا تحقق النجاح والتميز سوى في جامعات الغرب، لأنها لم تجد الحاضنة التي تساعدها على إنجاز ابتكاراتها وتحويل أفكارها إلى مشاريع واقعية.

إنّ آمال السلام لا تزال قائمة، والفرصة بتجاوز أية مخاطر غير محسوبة العواقب يمكن الإمساك بها، فالسلام هو القيمة الإنسانية التي لا يجب أن نتخلى عنها مهما بلغت بنا التحديات، والاستقرار لا يزال خيارنا الأول لكي نرتكز عليها، إننا نريد أن نخوض معارك وحروب حقيقية ضد الأمراض القاتلة، وضد الجهل والأمية، وضد التكاسل وتراجع الإنتاجية، نريد أن نطلق حملات للحد من المخدرات في الدول العربية، أن نصنع تنمية حقيقية مستدامة بسواعد وعقول الشباب العربي، نريد أن نجند الشباب لخدمة العلوم والاختراعات، وأن نقول للعالم أجمع إننا أمة تنمية وإبداع وابتكار لا دمار وتخريب.

اشترك في حسابنا على يوتيوب لمشاهدة فيديوهات لأهم الأحداث العالمية والإقليمية