السبت, 21 سبتمبر 2019
30 °c

تراثنا الحضاري.. مستقبلنا المشرق

السبت 09 مارس 2019 10:49 م بتوقيت مسقط

حاتم الطائي

 

 

 

◄ الاكتشافات الأخيرة أفصحت عن الهندسة المعمارية العبقرية التي أبدع فيها الإنسان العُماني القديم

◄ توظيف التقنيات الحديثة لعرض هذه الاكتشافات يُسهم في تحويل المتاحف لمواقع جذب سياحي وترفيهي

◄ مسؤولية الحفاظ على تراثنا التليد تستوجب الإسهام في بناء المستقبل المشرق لبلادنا

 

حضارتُنا العُمانية كانت واحدةً من أعظم وأعرق حضارات العالم القديم، ونقصد هنا تلك الفترة الزمنية التي سبقت التأريخ الميلادي بنحو عشرين قرنا من الزمان، أو ببساطة 2000 سنة قبل الميلاد؛ أي في مراحل مبكرة جدًّا من عُمر الحضارات التي نعلمها. فقد كانت الحضارة العُمانية القديمة واحدة من أعرق الحضارات التي تطورت في الألفية الثالثة قبل الميلاد، وعكستْ المستوى المتقدِّم من التفكير في استخدام الموارد الطبيعية لتسهيل الحياة وتعزيز قدرة الإنسان -آنذاك- على التعايش مع الطبيعة. وقد أظهرت الاكتشافات الأثرية الجديدة في حصن سلوت التاريخي بولاية بهلاء، تفاصيل جديدة نفضت الغبار عن مرحلة مهمة في تاريخ عُمان، وكشفت ما كانت تتمتع به حضارتنا من علاقات وطيدة وتواصل مع الحضارات القائمة وقتذاك؛ فقد كانت الصادرات العُمانية من النحاس أحد العوامل الرئيسية في تأسيس علاقات تجارية مع حضارات بلاد الرافدين وحضارة وادي الأندوس، وحضارة بلاد فارس؛ لذلك كانت عُمان تسمى بـ"مَجان" -أو "ماجان"- أي جبل النحاس وفقا لبعض الكتابات المسمارية والأكادية التي وردت في نصوص سومرية، بحسب العديد من المراجع المتخصِّصة في هذا الشأن.

وموقع سلوت الأثري -الذي يعود إلى العصر الحديدي- يكشف عن أسراره كل فترة، بفضل جهود الاستكشاف التي تقُودها البعثات الأثرية بالتعاون مع جهات الاختصاص، لكنَّ اللافت في الاكتشافات الأخيرة أنَّها أفصحت عن معالم تلك المدينة القديمة، والهندسة المعمارية العبقرية التي نفذها الإنسان العُماني في تلك المراحل المبكرة، قبل أن يعرف العالم أية نظريات في الهندسة أو تخصصات يتم تدريسها في الوقت الراهن، وهو أمر يثير دهشة علماء الآثار؛ فلنا أن نتخيل أن أجدادنا برعوا في تخطيط المدن ووضعوا المرافق اللازمة، فقد بنوا المدن وفق رؤية عامة تتضمن مواقع للمنازل وأخرى للأسواق، بجانب الأراضي الزراعية التي تمَّ تخطيطها بطريقة مذهلة؛ حيث كانوا يصنعُون مَصَاطب حجرية على هيئة أشكال هندسية مربَّعة تُحِيطها الجدران، ومن ثمَّ يتم حشو هذه الأشكال بالتربة لتكُون صالحة للزراعة، لتحدِّي التضاريس، وليس أبرع من ذلك كله إنشاء نظام لتصريف مياه الأمطار، بجانب الحصون العسكرية.. إننا إذن أمام حضارة لن نبالغ إذا قلنا إنها لا تقل في تحضرُّها وتقدُّمها عن حضارات ذلك العالم القديم، رغم أنَّ ما وَصَلَنا من معلومات واكتشافات أثرية ليس بنفس الدرجة من المعلومات عن حضارات بلاد فارس أو بلاد الرافدين.

ما يلفِت الانتباه أيضًا في هذه الاكتشافات الأثرية: التفسيرات التي يرى علماء الآثار أنَّها تقدم تصورا لما كانت عليه تلك الحضارة؛ فمثلا العثور على مدافن تضم مقتنيات ثمينة تعكس تقدم حياة الترف والبذخ مثل أواني الشرب المصنوعة من البرونز، وطريقة تشكيلها بطرق تعبر عن ألمعية الفنان الذي أبدع هذه الأشكال؛ فمنها مثلا إناء على شكل حيوان برأس إنسان، أشبه بـ"أبو الهول" الذي نعرفه كلنا في الحضارة الفرعونية المصرية، وآخر على هيئة حصان، ويُشبه كذلك أواني ذلك العصر؛ مما يعني أنَّ الحضارة العُمانية كانت مواكبة للمتغيرات من حولها، وكانت ربما على اطلاع بما تشتهر به الحضارات الأخرى، وربما هي التي صدرت تلك الأفكار للحضارات الأخرى.

لكن يبقى التساؤل الأكثر إلحاحا بعد كلِّ هذه الاكتشافات العظيمة: كيف يُمكن لنا أن نستفيد من هذه المقومات التراثية والأثرية في الترويج السياحي؟ وما هي الخطوات التي ينبغي علينا أن نتَّخذها من أجل تعريف الأجيال الجديدة -بل والحالية- بهذه الأسرار التاريخية التي تمَّ الكشف عنها فقط قبل أيام من الآن؟ والسؤال الآخر، هل يدرك القائمون على أمر التعليم أهمية إدراج مثل هذه الاكتشافات الجديدة وتفسيراتها في المناهج؟ فمسؤوليتنا تجاه هذه الاكتشافات أن يتم تضمينها في المناهج الدراسية؛ من خلال عملية تحديث مستمرة لدروس التاريخ والدراسات الاجتماعية، حتى إنني أظن أنه بات من اللازم تدريس التاريخ لجميع طلابنا دون استثناء، حتى ولو كانوا طلاب التخصص العلمي. فغرس الثقافة التاريخية في نفوس أبنائنا يحقِّق الكثير من المنافع لهم؛ سواء على مستوى الولاء للوطن والافتخار به، أو على مستوى التثقيف العام حتى يشبوا وهم يدركون جيدا أن أجدادهم صنعوا حضارة عظيمة، وأن عليهم مسؤولية مواصلة هذا المشوار وصناعة مستقبل مشرق وأكثر ازدهارا.

إننا أمام مسؤولية تاريخية ينبغي علينا تحملها، والنظر في كيفية الاستفادة من هذه النتائج الأثرية التي تم التوصل إليها، وتوظيفها في دعم جهود الترويج السياحي؛ فوزارة السياحة تبذل الكثير من الجهود لتعريف العالم بالسياحة العُمانية وما تزخر به من مقوِّمات لا تتوافر مُجتمِعَة لأي من دول المنطقة، والمختصون في الوقت الحالي يقُومون بجهود الترويج السياحي في سوق السفر العالمي ببرلين في ألمانيا، وفي مرَّات سابقة كان الترويج في باريس ولندن وغيرها من المدن الأوروبية؛ بهدف استقطاب السياح -خاصة ذوي الإنفاق المرتفع- لدورهم في تنشيط القطاع، الذي يأتي ضمن القطاعات المستهدفة بالتنويع الاقتصادي وتوفير الوظائف لشبابنا. إننا لا نريد فقط أن نجذب السائح كي يستمتع بالطبيعة الساحرة أو المنتجعات الفاخرة، بل أيضا نريد له أن يحصل على ما يسعى إليه من معارف ثقافية وحضارية عن البلد الذي يزوره، ويُدرك بعمق أبعاد الحضارة القديمة في بلدٍ ينعم بمقوِّمات المدنية الحديثة في أزهى صورها، بفضل ما أنجزته مسيرة النهضة المباركة من مشاريع متقدمة وتطوُّر نالت جميع القطاعات نصيبها منه.

لكن في الوقت نفسه، لا يجب أن نتوقَّف عند ذلك فحسب، بل يجب تشجيع الإبداع العُماني من خلال إعادة إنتاج الآثار التي يتم اكتشافها، وعرضها للبيع، حتى لا ندع المجال للصناعات المقلدة في الخارج أن تجد لها مَوْطِئ قدم؛ فنحن أولى بإعادة صناعة أمجادنا، وتقديم نسخٍ متميزة من هذه الأشكال والأواني الأثرية؛ وبذلك نكون قد أنعشنا الصناعات الحرفية المعدنية، وأوجدنا فرصَ عمل للحرفيين، وأيضا عوائد مجدية لهم.

نقترح أيضًا أن يتم توظيف التقنيات الحديثة في عرض هذه الآثار في المتاحف؛ من خلال التقنيات ثلاثية الأبعاد أو تقنية الهولوجرام التي يُمكِن من خلالها استعادة الإنسان العُماني القديم في كامل هيئته، وتقديمه بإنتاج بصري باهِر ومُذهِل؛ فتتحول المتاحف من كونها مجرد مواقع لحفظ التراث وعرضه بصورة تقليدية، إلى أماكن جذب سياحية وترفيهية. ومما يُمكِن القيام به أيضا للاستفادة من هذه الاكتشافات أن نفتح المجال للرُّواة وأصحاب الخيال القصصي؛ كي يعكفوا على إنتاج أعمال درامية تنسج خيوطها من وحي التفسيرات التي يُقدِّمها علماء الآثار عن هذه الاكتشفات، ونقطع الطريق على أيِّ مُدَّعٍ يريد أن ينسب لنفسه عراقة حَضارتنا؛ فما الذي يمنع من إطلاق مشروع وطني لإنتاج هذه الأعمال الدرامية -سواء سنيمائيًّا، أو بتقنية التحريك "الآنيميشن"- في شراكة بين القطاعين الحكومي والخاص، ولدينا مواهب عُمانية مبدعة تقدم أعمالا بجودة تنافس الجودة العالمية.

... إنَّ مسؤولية تقديم تراثنا العُماني التليد للأجيال القادمة لا تقل أهمية عن واجب الحفاظ عليه وصونه، بل هي عملية تتكامل فيها الأدوار، وتتكاتف فيها الجهود من أجل هدف واحد وهو مواصلة مسيرة الأجداد العظام.. أجدادنا الذين حفروا الصخر قبل توافر التقنيات الحديثة، أجدادنا الذين أسسوا حضارة مجان بعبقرية نافست حضارات العالم القديم، أجدادنا الذين مخروا عباب البحار ولم يهابوا موج المحيطات العالي فصاروا أسياد البحر.. علينا أن نواصل صناعة الحضارة، لاسيما وأن الظروف كلها مواتية وفي صالحنا.. فلنصنع عُمان المستقبل، كما صنع أجدادُنا عُمان الحضارة والتاريخ.

اشترك في حسابنا على يوتيوب لمشاهدة فيديوهات لأهم الأحداث العالمية والإقليمية