الأحد, 24 مارس 2019
25 °c

الصورة والزمن في نص الشاعرة رجاء البوعلي

الإثنين 14 يناير 2019 08:48 ص بتوقيت مسقط

الصورة والزمن في نص الشاعرة رجاء البوعلي


جمال قيسي | ناقد وتشكيلي عراقي
معشر السراد  يعرفون أن الصورة أو الوصف في النص  الأدبي  هي  بلا زمن حيث يتصفر  الزمن قيميًا بالكامل، وفي هذا النص الشعري الرائع للشاعرة (رجاء البوعلي) ذات المحمول الطللي، إنها أطلال  الروح، وأبنية  المشاعر  التي تمّ عبورها يتخطى هذه القاعدة، ونلتمس براعتها، من خلال شحن الأماكن بالزمن، وهو ما أشدد عليه في مصطلح (التزمين)، و لنكتشف جمالية النص من خلال تزمينه، أي منحه الزمن.
أولًا. إن هذا الأمر يحدث في العالم التأملي،،في فضاء الخيال الجميل، وكلما ابتعد عن الواقع ازداد جمالًا، ببساطة إنه إعادة تشكيل كبرى، وتخليق نوع من التماهي بالربوبية، فعل الكتابة الأدبية؛ هو من أشق مايكون وبالذات الشعر لما يتصف بالكثافة والترميز مع الحفاظ على التهويل.
ففي الوصف هناك عابرون  بصيغة الجمع  لكن أين  مروا؟  وماذا عبروا؟ وما هو المعبر؟  كل هذا تم في  فضاء الذات الشاعرة، في عوالم وجدانها، من معطيات تبدو بسيطة، تمكنت الشاعرة من رسم قوافل المشاعر والتمنيات، لتخلق صورًا لا نهائية، بحكم استخدام  صيغة الجمع، مع  شحن هذه الصور بالزمن من خلال  كثرة  التعدد والتكرار، والمواسم  رغم معيارية الشتاء، وصيغة الفعل الماضي، تلّمح إلى الحاضر والمستقبل، في رهونية الزمن الحاضر الذي تتحدث عنه، طبعًا هذا الكلام  توحي به روحية النص، وتتحرك بشكل أشعة   زاوية منفرجة  لكنها تتوغل إلى البؤرة، ونقطة انطلاق هذه الأشعة  لتتوحد في  نقطة التقاطع "فصار الطريقُ واحدًا" لجسدٍ واحدٍ".
إنها ببساطة تتكلم عن الإنسان، ومراحل عمره في هذه الحياة، لعبة الحياة والموت، والذات الواعية الحائرة بين  دهاليز هذه المتاهة، نحب ونتعالق  مع غيرنا، لكن كل هذا لا يبدد وحدتنا، إننا وحدنا من سنواجه الموت، بمفردنا، نبرر حياتنا  بمن نحب، اقتربوا أو ابتعدوا  ليس لنا غير ذلك، رصيدنا: الذكريات.
في رواق لا نعلمه إلا نحن  أفرادًا وذواتًا  نبدد فيه ما شئنا من حصيلة الأوجاع  نعيد رسم كل شيء، نمتلك ألواننا الخاصة، نصرخ  بكل حرية، لايعنينا الآخر إلا بتموقعه حسب  ما  نرغب نحن، والقصيدة نوع من البوح لذلك الرواق.
في رحاب هذا النص الآخاذ تمسك بِنَا الشاعرة وتأخذنا في رحلة إلى عوالمها، مع إنها تحتفظ بخصوصيتها، إلا أنها لا تبخل، باطلاعنا على الفجيعة، فجيعة رحيل الأحباب، وتاريخ العلاقات التي لا تسجل إلا بمدونة الذكريات، اذًا الأدب هنا هو تاريخ  المشاعر  وما ينتج عنها. يمتاز النص برغم انتمائه إلى النثر، بوحدة الموضوع، والإيقاع الموسيقي، مع عرض متنوع للصور.
..................
لقراءة نص "العابرون في أمانينا" من هنا:

مرُّوا قوافلَ من هنا
مكثوا على كتفيّ
حزمةً من الشتاءاتِ
عبرناها سويًا
 وتجاوزنا بها
رزمةً من المتاهاتِ
العصيةِ
فصار الطريقُ واحدًا
لجسدٍ واحدٍ
وفي ممرٍ طويلٍ مُظلمٍ
عصفَ الصقيعُ بنا
فانكسرنا في البردِ
جوعى، نأكلُ الجمرَ
فيلهبُ ماتبقى فينا
من دخونٍ مستحيلةٍ
*

 العابرون في أمانينا
حزموا الوجودَ في جرارِ الوقتِ
وارتحلوا ..
ركبوا زوارقَ زرقاء
ما فتئوا..
ذابوا كملحِ الماءِ
لا يطفو..
مثلَ أخشاب السفينةِ
عاثوا في تضاريس الهوى
وتمرَّغوا في الرملِ
واكتحلوا الفتاتَ
طاروا في الغبارِ
تاركين
ثورةً في ربيعِ العمر
متجردةً من أي حيلة

*
العابرون .. العابرون .. العابرون
جثموا على صدرِ الزمان
واعتلجوا بناي الوقت
سئم الحنين،
ما غاب صوتٌ للأنينِ
لازال يأتي في الظلام
متهجدًا في ثيابٍ قليلة.