الأربعاء, 16 يناير 2019

مقال : 2019.. الإرادة والطموح

السبت 29 ديسمبر 2018 11:00 م بتوقيت مسقط

حاتم الطائي

 

بنهاية 2018 نودع كل ما مضى بلا رجعة ونضع نُصب أعيننا عاما مُقبلا فنستعد له ونتأهب لأحداثه بعبرة وحكمة

 

علينا أن نتأمل النعم من حولنا من مشاريع تنموية ومؤسسات عصرية وأن نصون ما تحقق من مُنجزات

 

التحلي بالإيجابية والتفاؤل يستدعي قراءة الواقع بعين فاحصة تضمن التعامل مع التحديات بصورة صحيحة وإرساء الأمل النقدي

 

 

 

يمضي بنا الدهرُ في مسيرة الأيام والسنين محملاً بالإنجازات والتَّحديات والأحلام والرغبات، مليئاً بلحظات الفرح والحزن معًا، ينقلنا إلى محطات عدة عبر رحلات تجوب العالم، ويقفز بنا فوق حواجز الزمن- أحيانًا- فنُحقق نجاحات بفضل الإعداد الجيِّد والتخطيط المتقن للأعمال، ونحن في ذلك نمزج الإرادة بالطموح، إرادة أن نكون مع الطموح فيما سنكون عليه مستقبلا... فقد أوشك عام 2018 أن يطوي صفحاته، ليحل علينا عامٌ جديد، نستقبله بصباحاته المشرقة وليله المؤنس، يرحل عنَّا عام مليء بالأحداث والمُتغيرات، مُتخم بالمواقف ومشحون بالعواطف المُلبدة كالغيوم.. عام حركت مجرياته المياه الراكدة في بحيرات الأحداث، عامٌ صنع أبطالاً جددا وقضى على آخرين فانطفأوا مبكرًا، ومع آخر ليلة من ليالي هذا العام، سنُودع كل ما مضى بلا رجعة، كي نضع نصب أعيننا عاما مُقبلا، فنستعد له ونتأهب لأحداثه، مُتذكرين العبرة والحكمة مما مضى، نستقبل العام أولاً بنسيان الألم والتطلع بكل أمل نحو المُستقبل، وأن نبني رؤيتنا لهذا المستقبل على أسس من التفاؤل والثقة في قدرتنا على تحقيق ما نصبو إليه.

وشهدنا جميعًا في العام 2018 الكثير من الأحداث والمواقف سواء داخل بلادنا الحبيبة أو خارجها. فعلى المستوى المحلي، واصلت مسيرة النهضة المُباركة تقدمها نحو مرافئ التقدم والرخاء، بفضل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المُعظم- حفظه الله ورعاه-، ماضية في تنفيذ المشاريع التنموية وبناء الإستراتيجيات التي تكفل المُستقبل المُزدهر لجميع القطاعات. حققت السلطنة العديد من المنجزات في هذا العام، لن يتَّسع المقام لذكرها جميعًا، لكن سأسعى لأن أسلط الضوء على الأبرز فيها، والأكثر تأكيدًا على ما يتم بذله من جهود. ولا أجد بداية أفضل من الإشارة إلى تصنيف السلطنة ضمن الدول ذات التنمية البشرية المُرتفعة جدا، وذلك في تقرير التنمية البشرية لعام 2018، والصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إذ حصلت عُمان على الترتيب الثامن والأربعين من بين 189 دولة، محققة تقدمًا بمعدل 4 مراكز، بفضل العديد من العوامل أذكر منها على وجه الدقة ارتفاع نصيب الفرد من الدخل القومي إلى 36290 دولارا صعودا من 34402 دولار. ومثل هذه الأرقام ينبغي أن نبني عليها الكثير من الخطوات والإجراءات المُستقبلية، في المقدمة منها ضرورة الحفاظ على ذلك التصنيف، من خلال السعي إلى مواصلة ما يتم إنجازه من مشروعات تنموية، وخاصة في قطاعي التعليم والصحة، اللذين يمثلان عصب التنمية البشرية، وهو الأمر الذي أكدنا عليه مرارا وتكرارا، فلا تنمية دون تعليم متميز يستلهم روح العصر ويواكب المتغيرات ويضع الخطط الناجعة للمُستقبل.

ومن التنمية البشرية إلى التنمية الحضرية، فقد شهد العام 2018 افتتاح مطار مسقط الدولي في حُلته الجديدة، وفق أحدث المعايير الفنية والملاحية والسياحية والخدمية وغيرها، فالمطار بات يُمثل تحفة معمارية وشاهدا على النهضة المباركة التي تواصل مسارها الصاعد نحو قمم الرخاء والتنمية، علاوة على كونه مساهمًا فاعلاً في جهود تطوير السياحة، وجذب أكبر عدد من السياح لبلادنا في إطار خطط التنويع الاقتصادي. فالمطار الجديد- في ظل منظومة المطارات الحديثة التي تدشنها السلطنة- يُعد الواجهة الأولى التي يرى السياح من خلالها بلادنا، ولا شك أنَّه يُمثل واجهة حضارية تعكس ما تنعم به البلاد من تنمية ونمو اقتصادي، إلى جانب ما تزخر به من مواقع سياحية تمزج بين البُعد التراثي الأثري والبعد الترفيهي المُعاصر، في تنوع فريد يُسهم في جذب السياح.

وفي الإطار ذاته من مشروعات التنمية الحضرية، يأتي افتتاح حزمة من الطرق بطول البلاد وعرضها، من أهمها طريق الباطنة السريع، الذي يُمثل شريانا رئيسيا يربط العديد من المدن والولايات، والأهم من ذلك كله أنَّه يُسهم في تعزيز الربط اللوجستي بين مختلف المواقع الحيوية، بداية من حلبان بمسقط مرورا بمختلف ولايات الباطنة في جنوبها وشمالها، وصولاً إلى خطمة ملاحة بولاية شناص، وهو بذلك يربط بين مطار مسقط الدولي وبين مدينة خزائن بجنوب الباطنة، إضافة إلى ميناء صحار وما يمر به من محطات لوجستية بالغة الأهمية، ستعزز حركة النقل والتجارة على هذا الطريق. والمُتأمل لمثل هذه المشاريع العملاقة، يجد أنها تمثل عصب التنمية وعمودها الفقري، فلا خدمات بدون مشاريع الطرق، ولا مصانع أو شركات دونها أيضًا، ولنا أن نتخيل هذه الشرايين التنموية من مشهد جوي، وهي تقطع المسافات وتشق طريقها بين المدن والصحاري والجبال، لتبدو بالفعل كما الشرايين التي تُمد الجسد بما يحتاجه من غذاء. والحديث عن التنمية لا ينتهي، لكن ما نُريد قوله هو أن نتأمل ما ننعم به من مشاريع وأن ننظر إلى المُستقبل وأعيننا على ما تحقق من نهضة، وألا نقصي جهود الآخرين الذين اجتهدوا، فإما أصابوا وإما لم يُحالفهم الحظ في أحيان قليلة.

وبالانتقال إلى الأحداث الخارجية، فقد شهدت منطقتنا مُقدمات لعملية تحول كبرى يجري الإعداد لها على قدم وساق، ستُغير ملامح الإقليم، فنرى قوى صاعدة وأخرى هابطة، حروب أوشكت أن تضع أوزارها، وأخرى ينفخ في نيرانها النافخون، تارة بصفقات تسليح مليارية تقلص من فرص التنمية، وتارة أخرى بصب الزيت على النَّار في عدد من القضايا وحوادث القتل أو الاختفاء.

ولنا في السياسات الحمائية التي يضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خير مثال على ما ينتظر العالم من تحديات بالغة الصعوبة، فهذه السياسات ستقود بصورة كبيرة إلى أعنف حرب تجارية في العصر الحديث، والتي ستؤدي بالضرورة إلى كساد تجاري حول العالم، في ظل القيود التي يتم فرضها على الكثير من القطاعات، ومنها القطاعات المالية وقطاع التجزئة وسوق الأسهم والعقارات، ولن يتوقف تأثير ذلك على اقتصادات الدول، بل سينعكس على الطبقات المتوسطة حول العالم، والولايات المُتحدة خاصة، ما يُهدد بتفجر احتجاجات على نمط "السترات الصفراء" في فرنسا وبلجيكا، وبالتالي مزيدا من العنف والجريمة. ومثل هذه الحرب التجارية وما ستخلفه من كساد عظيم، ستولد حروبا بالوكالة في العديد من المناطق، والشرق الأوسط سيكون الساحة الأبرز، فمن المُستبعد نشوب مواجهة عسكرية مُباشرة بين أطراف الحرب التجارية؛ الصين وأمريكا، فأي شرارة حرب بينهما قد تقود لحرب نووية كبرى ستقضي على العالم بأسره. إضافة إلى تصاعد التيار الشعبوي وتأثير ذلك على السياسة الدولية وحركة التجارة، وغيرها من التأثيرات.

ولذا وعلى المستوى الشخصي، لا أجد ما يدعو للتفاؤل فيما يتعلق بمُستقبل المنطقة العربية، بعد كل الدمار الذي لحقها في العقود الماضية لغياب الحكم الرشيد، وسيتحول النفوذ الإقليمي من الدول العربية المركزية ليذهب إلى القوى الإقليمية غير العربية الثلاثة: تركيا وإيران وإسرائيل؛ وهذه الدول ستتصارع على البلدان العربية المغلوب على أمرها. وإذا ما نظرنا إلى ثروة النفط، فستظل مُترنحة بين طموح الدول المنتجة برفع سعر البرميل، وبين تغريدات ترامب التي قد تسبب انخفاضًا حاداً يقضي على ارتفاعات عام كامل، بجانب نُذر الكساد الذي سيضرب العالم. وإضافة إلى ما سبق، ثمة مؤشرات اقتصادية على أنَّ أزمة ديون سيادية تلوح في الأفق للكثير من البلدان، وخاصة في المنطقة العربية، الأمر الذي يقوض جهود التنمية الاقتصادية، ويزيد من التحديات وفي المُقدمة تحدي توفير الوظائف، والذي سيُفجر احتجاجات شعبية واسعة تتخذ من نموذج "السترات الصفراء" مثالاً يحتذى.

من المؤكد أنّ لا أحد يُريد لهذا العالم الدمار، أو نشر المشاعر السلبية وبث الإحباط في نفوس الناس، لكن التحلي بالإيجابية والتفاؤل بالمستقبل، يستدعي قراءة الواقع بعينٍ فاحصةٍ تضمن التعامل مع التحديات بصورة صحيحة وإرساء الأمل النقدي الموضوعي.

ورغم ما سبق وما قد تؤول إليه الأوضاع، لا مناص من أن نستقبل العام الجديد بروح يملؤها التحدي، وأمل في مستقبل أكثر رخاءً وازدهارا، أن نتحلى بالقيم النبيلة في مواجهة المخاطر والشرور، أن نبني للمستقبل وألا نكون معول هدم في يدي قوى إقليمية ودولية لا تُخطط سوى لمصالحها، علينا أن نشحذ الهمم ونأخذ بأيدي الشباب نحو المُستقبل، أن نتيح لهم المجال ونفسح لهم الطريق، كي يطرحوا الأفكار البناءة، ويرسموا مسارات الوطن في المُستقبل بثقة واطمئنان.

إنَّ التفاؤل نعمة عظيمة تضفي سعادة في النفس، وتبث مشاعر الاطمئنان والرغبة في العمل والكفاح، واليأس خيانة كبرى للنفس والمُجتمع، هروب من مسؤولية تعمير الأرض وتذليل التحديات، بإرادة حقيقية وطموح يُعانق السماء، وما علينا سوى التحلي بالإيمان بخالق الكون الذي يحثنا على السعي والاجتهاد والطموح نحو العلا..

كل عام وبلادنا بخير، ولتكون 2019 سنة الخير والانطلاق نحو مزيد من النمو والازدهار.