الأربعاء, 21 نوفمبر 2018

مقال : الأضحية من الهبطة.. والصلاة في الجبل

الأحد 02 سبتمبر 2018 07:17 م بتوقيت مسقط

علي بن كفيتان

 

لقد منحتنا إجازة العيد فرصة سانحة لزيارة بعض مناطق السلطنة، بعد أن اكتظَّت مدينة صلالة، وأصبحت شوارعها مزدحمة بالسيارات والبشر من كل أطرافها، ولا أخفيكم فربما الفكرة لم يتقبلها البعض بأن تذهب في عيد الضحى لتتجوَّل، وتترك مظاهر العيد التي تعوَّدت عليها منذ نعومة أظفارك، ومنها حضور أضحيتك من إحدى الأنعام الكبيرة (البقر-الجمال)، وغمس رجلك في الدم، ولمة الاسرة حول أكوام اللحم وتقديدها، ومن ثم تجفيفها؛ تمهيدا لوجبة المعجين الشهيرة. نعم، لقد تركنا كل ذلك خلفنا، لننال حريتنا هذه المرة من هذه القيود؛ فبالإمكان الحصول على أضحية من إحدى الهبطات العُمانية الشهيرة، ونحرها يوم العيد، والاستمتاع بالمناداة وزحمة البشر تحت وارف النخيل، والعيش خارج الصندوق حتى ولو لمرة واحدة، وهذا ما كان بالفعل؛ فكانت تجربة لا تُنسى، أسعدتنا جميعاً.. فكم أنتِ جميلة يا عُمان، وكم هو شعبك طيبًا ومعطاءً!!!

لن نتحدَّث في هذا المقام عن الروح الجديدة التي انتابتنا ونحن نجوب الوطن، ولن نمتدح الناس الذين قابلناهم على طول الساحل الشرقي، فكل الكلمات لن توفيهم حقهم، ولن نخفي عنكم مدى الاعتزاز العظيم بالرجال الذين يمتطون خناجرهم، ويتكئون على بنادقهم التقليدية، بكامل لباسهم الوطني في المناطق الداخلية من عُمان، ولن نخفي عنكم متعة الصلاة في مصلى العيد في الجبل الأخضر على علو شاهق، ومن ثم زيارة مجلس الأهالي؛ حيث الكل متهلل الوجه، الصغير والكبير، ومن مختلف الأسر والقبائل، يربطهم هذا المجلس العامر في الأفراح والأتراح على حدٍّ سواء.

يلفت الانتباه الكم الهائل من القرى والحلل الصغيرة على طول الطريق أينما ذهبت، وبحمد الله الكل ينعم بالطريق الممهد، والكهرباء، والماء، ومحطات الوقود، والاتصالات، والمحلات التجارية؛ فهؤلاء الناس تركوا خلفهم معظم الأمراض المجتمعية القديمة التي لم تورث لهم إلا الفقر والجهل والاقتتال، وتوافقوا على طلب خيرات التنمية، ولا اعتقد أن بينهم من يتسلل خلسة إلى الجهات الحكومية مشتكياً على الآخرين في بلاغ ضد مجهول، فربما هم تساموا عن هذا الفعل المشين، وربما المسؤولون هنا لديهم الحَزْم الكافي لوقف هذه العادة غير الحميدة التي لا تزال مُزدهرة في بعض الانحاء وتجد آذانا صاغية.

مرض الاعتراض على المشاريع وعلى الخطط، بل وعلى كل شيء، تم استئصاله جذريا، وأصبح الناس ينعمون بثمار التنمية، بينما في ذلك المكان القصي لا تزال هذه الصناعة مزدهرة، وهي صناعة الاعتراض والشكوى والتناحر بين المكونات الاجتماعية المختلفة، ولم يتخطوا بعد الاختبار الأول للتنمية؛ لذلك فعليك أن لا تتفاجأ إذا وجدت مشاريع مؤجلة وأخرى ملغية، والبعض تم ترحيله إلى مناطق التوافق مع هذه الصناعة الجديدة؛ لأن الناس باختصار ما زالوا منشغلين بأنفسهم، باحثين عن إرث أجدادهم المفقود، فمرات ممالك، وفي أخرى دول، وفي ثالثة أمم بائدة، وهلمَّ جرًّا، تاركين ما دون ذلك للصدفة المحضة من جرَّاء هذا المرض المستعصي الذي أصابهم.

كل شيء مُخْتَلَف عليه فلن تجد تجمُّعا سكانيا مكتملَ الخدمات، ولا ولاية أو نيابة معلومًا حدودها الإدارية، فهذه أم القضايا، والغريب أن تظل الأمور سرية، فكما هو معروف أن الحدود الإدارية لا تربطها صلة بالتواجد الفئوي، بل هي حدود من أجل التنمية وإيصال الخدمات وتنظيم المنافع وإجراء التعدادات والإحصاءات بمختلف أنواعها، وتسهيل عيش الإنسان، لكنَّ الأمر هنا شيء مختلف للغاية.

عفواً.. لم أجد مبرراً لحشد الناس في مكان ما، مما يستدعي حضور قوات المهام الخاصة، والهدف هو إما تخطيط محطات وقود، أو مناطق خدمات تجارية...الخ لنيابات وولايات أشبه ما تكون بالقرى النائية بعد مرور نصف قرن من عهد الخير والنماء، بينما تلك الخدمات تتوافر اليوم في الحلل والتجمعات السكانية الفرعية في كل أنحاء عُمان، ولم أجد مبرراً لمواجهات رعاة الإبل بحلول موسم الصرب عندما يتنافسون على الرعي، وتتدخل السلطات الأمنية لفض تلك المواجهات الدامية في بعض الأحيان، ولم أجد مبرراً لوقف خدمات أساسية كتوصيل المياه والكهرباء وبناء المدارس وغيرها بحُجة الصراع حول تبعيتها الإدارية، ولم أجد مُبرراً لمن يستغلون تلك المواقف العفوية، ويعملون على شيطنة أصحابها أمام السلطات المحلية!!!!!

-------------------

نقطة نظام: ننشد تعظيم ثمرات التوافق، وزوال ثقافة الاعتراض والشكوى، وسيادة روح المحبة وقبول الأخر التي غرسها فينا مولانا جلالة السلطان -حفظه الله ورعاه- منذ بزوغ فجر النهضة المباركة.

[email protected]