الثلاثاء, 18 سبتمبر 2018

مقال : الوصايا الذهبية

السبت 18 أغسطس 2018 09:04 م بتوقيت مسقط

حاتم الطائي

 

"وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" (الحج:27).. بهذه الآية الكريمة نزل التكليف الإلهي بأداء الركن الخامس من أركان الإسلام، لتكون هذه الفريضة مناسبة سنوية لانعقاد ما يشبه الجمعية العامة لعموم المسلمين، يجتمعون في صعيد واحد بزي موحد، تذوب من خلاله الفروق، بين العرب والعجم وبين الشاب والشيخ، يؤدون مناسك واحدة، ويعبدون إلها واحدا.

هكذا أراد العلي القدير، أن يكون الحج اجتماعا كي نعيد النظر في كل خططنا الحياتية وعلاقتنا بالخالق فوق سبع سموات، والتي بالضرورة ستؤثر على علاقتنا مع بعضنا البعض نحن بني آدم.. ولقد أكد رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- على كلِّ معاني الحج، في خطبة الوداع، عندما خطب -عليه الصلاة والسلام- في الناس يوم الحج الأعظم، يوم عرفة، فكانت هذه الخطبة دستورا نبويا يؤسس لجميع القوانين التي يتعين على المسلمين الالتزام بها. ولنا أن نقرأ في هذه الخطبة العديد من الحكم والتوجيهات النبوية الكريمة والوصايا، التي حثنا نبينا الكريم على اتباعها وعدم الحيد عنها قيد أنملة.

 

الوصية الأولى: كل الدم حرام

أعلنها النبي محمد عندما قال: "إنّ دِمَاءَكُمْ وَأمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَليكُمْ حَرَامٌ إلى أنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا في شَهْرِ كُمْ هَذَا في بَلَدِكُم هَذَا"، فأين المسلمون اليوم من هذه الوصية العظيمة؟! والمسلم يقتل أخاه المسلم، تحت مزاعم واهية وحجج باطلة، فتراه يرفع السلاح في وجه أخيه ويحرص على قتله، بل ويدمر أرضه وينتهك عرضه. إن ما يمر به المسلمون اليوم من تراجع حضاري وعدم قدرة على مواكبة ركب التقدم، إنما ناجم عن عدم التزامهم بهذه الوصية، وسعي البعض لاحتلال الأراضي الوطنية وطرد الآمنين، ومهاجمة العزل المدنيين، وغيرها من الأمور التي تعج بها نشرات الأخبار كل ساعة.

 

الوصية الثانية: أداء الأمانات

ويمضي المصطفى -صلى الله عليه وسلم- في خطبة الوداع قائلا: "فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانةٌ فليؤُدِّها إلى مَنْ ائْتمَنَهُ عَلَيها".. فالإسلام يؤكد دائما من خلال آيات القرآن الكريم والسنة النبوية، على أهمية أداء الأمانة، وأن من صفات المؤمن إنه إذا اؤتمن لا يخون، فالموظف مؤتمن على عمله، ويتعين عليه أداؤه على أكمل وجه، وألا يتحجج بأن الآخرين لا يعملون، ولا يجب مطلقا أن يتقاعس عن القيام بمهام وظيفته التي تعهد بأداءها. ومن الأمانة أيضا أن يكون المرء أمينا على وطنه، يحميه ويصونه من كل الشرور.

 

الوصية الثالثة: حسن معاملة النساء

إنَّ النبي الأمي الذي أدَّبه ربه، كان أشد الناس حِرصا على النساء؛ لذا قال في خطبة الوداع: "استوصوا بالنساء خيرا"، وهنا يتعدَّى الخطاب النبوي من كونه وصية إلى فعل أمر، بمعاملة النساء على خير وجه، وعدم الإساءة لهن، والرفق بهم واللين معهم. ولا عجب أن رسولنا الكريم قد سبق قوانين حقوق الإنسان وحقوق المرأة في العالم قبل ما يزيد على ألف وأربعمائة عام، وقد أوصانا بأن نحسن إلى بنات حواء، وأن الرجل مؤتمن على زوجته وابنته واخته وأمه، وأي امرأة في حياته.. ومما يؤسف له أن بعض الرجال لا يحسنون إلى النساء، فكم من قضية منظورة أمام القضاء تشكو فيه المرأة من ظلم زوجها، وعدم رعايته لها؟! وإن كثيرا من الرجال يغفلون أن المرأة إنما هي كائن مبدع خلاق، تمتلك من المواهب والقدرات ما قد يمنحها تفوقا على الرجل في العديد من الجوانب، ولقد أثبت الواقع صحة ذلك، فها هي المرأة رئيسة وملكة ووزيرة وقائدة عسكرية وغيرها من الوظائف التي يظن البعض أنها حكرٌ على الرجل!

 

الوصية الرابعة: اللُّحمة والتماسك

يحثنا ديننا الحنيف على حماية أوطاننا من أي شقاق أو انقسام، وأن نقف متماسكين في وجه أي محاولات لزرع الفتنة بين الناس؛ لذا يقول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- في خطبة الوداع: "إنّما المُؤمِنُونَ إخْوةٌ، فَلاَ يَحِلُّ لامْرِئٍ مَالُ أَخيهِ إلاّ عَنْ طيبِ نفْسٍ منهُ"، فالشق الأول من الوصية تأكيد نبوي على أن المؤمنين إخوة، إخوة في الدين، والوطن، إخوة في اللغة، والإنسانية، وعلى الجميع أن يراعي هذه الإخوة، وأن يتعامل مع البشر على أساس إنساني قائم على الإخوة، فالتعاون والتعاضد من شيم المسلم، لا بديل له عنهما؛ إذ إنَّ البديل الفرقة والانقسام والخصام، وهي صفات مذمومة ومرفوضة في ديننا؛ لأنها تؤدي إلى الفوضى وتفجر الفتن، التي تهدم الأوطان ولا تقيمها؛ لذا كانت الوصية للجميع أن يتلاحموا في أوطانهم، ويتماسكوا أمام أي رياح عاتية تأتيهم من خارج الحدود، ولا تريد سوى التشرذم والتفتت.

 

الوصية الخامسة: التقوى قبل كل شيء

يواصل رسولنا الكريم في خطبة الوداع مُسديا النُّصْح والإرشاد لجموع الناس، وهذا مِمَّا يُدلل على أن ديننا موجه في الأساس إلى الناس أجمعين، وأن الخطاب الديني لا يجب أن يكون موجها للمسلم فقط، بل للإنسانية كلها، فها هو رسولنا الأعظم يكررها في خطبة الوداع "أيها الناس" مرات عديدة. وقبل أن يصل عليه الصلاة والسلام إلى نهاية الخطبة، شدد على "إن أَكرمُكُمْ عندَ اللهِ أتْقَاكُمْ وليس لعربيّ فَضْلٌ على عجميّ إلاّ بالتّقْوىَ".. نعم التقوى، إنها مفتاح السر في نجاح الأمم والشعوب، فلا فضل لأحد على آخر إلا بالتقوى: التقوى في العمل، أي أن يعمل بإخلاص وتفانٍ ويجتهد في خدمة بلده ووطنه.. التقوى في القول، فلا يقول الكذب ولا يشهد الزور ولا يمشي بين الناس بالغيبة والنميمة، فيغرس بذور الفتن والشقاق ويدمر المجتمع، ولا يفبرك الشائعات فيضر بأمن البلاد ويفتح المجال أمام أعداء الوطن كي يجدوا موطأ قدم يتسللون من خلاله إلى نفوس شبابنا.

وختامًا.. إن خطبة الوداع وثيقة تشريعية، نستخلص منها العِبَر والدروس كي نمضي على الدرب الصحيح، في خدمة وطننا، مستلهمين الحكمة النبوية وسائرين على خطى الحبيب المصطفى، الذي أراد من هذه الخطبة أن تتضمن الوصايا الذهبية التي لو تمسكنا بها لفزنا في جميع أمورنا.

وكل عام وبلادنا تنعم بالخير والسلام...،