الثلاثاء, 18 ديسمبر 2018

مقال : أسباب انفتاح الغرب على"الإسلام السياسي"

الثلاثاء 07 أغسطس 2018 06:58 م بتوقيت مسقط

د. يحيى أبوزكريا

دأبت المراكز ومعاهد الدراسات الغربية على جمع كل شاردة وواردة عن الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي، وقد أصبحت هذه الحركات مدار تشريح وتحليل ومُتابعة معلوماتية دقيقة حتى من قبل الأجهزة الأمنية الغربية التي كانت وما زالت متخوفّة من أنّ يكون الوجود الإسلامي في جغرافيتها هو امتداد لفسيفساء الحركة الإسلامية بكل تفاصيلها في البلاد العربية والإسلامية.

وكانت هذه الأجهزة ترى أنّه لا يُمكن فهم الكثير من الحركية الإسلامية في الغرب دون قراءة مسلكية هذه الحركة وتلك في واقعها الإسلامي والعربي، والدافع إلى هذه المُتابعة والقراءة كان من باب الهاجس الأمني خصوصًا بعد أن تبنّت بعض التيارات المحسوبة على الإسلام السياسي العديد من أعمال العنف هنا وهناك، وكان الغرب وأجهزته متخوّفين من أن تنتقل قناعات ومسلكيات هذه الحركات إلى المُسلمين في الغرب وما قد ينتج ذلك من تعقيدات وإرباكات للغرب الحريص إلى أبعد الحدود على أمنه السياسي والاقتصادي وحتى الاجتماعي والثقافي.

والذي أدّى إلى بداية التوازن الغربي في تعاطيه مع الظاهرة الإسلامية إلى درجة أنّ الاتحاد الأوروبي وفي وثيقة خاصة أوصى بضرورة فتح قنوات حوار مع الحركات الإسلامية، هو مجموعة أمور كبيرة للغاية نحاول الإحاطة بمجملها.

مبدئيًا بدأ الغرب ومن خلال أجهزته الأمنية يكتشف أنّ العديد من الأعمال الأمنية التي نسبت لإسلاميين في أكثر من قطر عربي وإسلامي هي في الواقع أعمال نفذتّها جهات متعددة وليس جهة بعينها، ومن جهة أخرى اكتشفت هذه الأجهزة الأمنية الغربية عدم صدقية العديد من الملفات والمعلومات التي وردت في حقّ أشخاص إسلاميين يقيمون في الغرب أرادت نظمهم توريطهم في قضايا الإرهاب، وبعد تحليل المعطيات والمعلومات تبينّ أنّ هؤلاء الأشخاص لا علاقة لهم بتاتاً بهذه القضايا، وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد ورد ملف أمني إلى جهة غربية عن شخص يحمل جنسية غربية ومحسوب على جهة إسلامية معينة في العالم العربي، واتهم من قبل الأجهزة الأمنية في بلاده بأنّه حاول في تاريخ معيّن ومحددّ إطلاق صاروخ على قصر الرئاسة في بلاده لاغتيال رئيس الدولة وبعد التأكد الغربي من هذه المعلومات والتي لا يرقى إليها الشكّ تبينّ أنّه بهذا التاريخ فإنّ هذا الشخص لم يكن موجودا مطلقا في بلده وقدم الدليل الغربي على ذلك وبهذا الدليل استرجعت الدولة الغربية مواطنها بالجنسية والذي كان بحوزة الإنتربول، وهناك آلاف الملفات التي دفعت الأجهزة الغربية إلى بداية التشكيك في صدقية الأجهزة الأمنية العربية.

ومن جهة أخرى فقد ساهمت تقارير الدبلوماسيين الغربيين الواردة إلى عواصمهم في تسليط الضوء على الكثير من المنحنيات السياسية في البلاد العربية والإسلامية، وتشير الكثير من هذه التقارير أنّ بعض الحركات الإسلامية تتمتّع بوزن جماهيري كبير.. وبالإضافة إلى كل ما جئنا على ذكره فقد بدأت الإنتليجانسيا الغربية التي تعد التقارير والبحوث التي تستند عليها الدولة الغربية في رسم توجهاتها يكتبون عن خطأ السياسات الاستئصالية التي نهجتها العديد من النظم السياسية العربية بل بدأوا يكتبون عن خطأ النهج الاستئصالي الأمريكي في التعاطي مع حركات إسلامية عقب أحداث الحادي عشر من أيلول.

 وقد لاحظ هؤلاء أنّ واشنطن نفسها بدأت تترك هذه السياسة الاستئصالية بعد أن تأكّدت من عدم جدواها وراحت تفتح العديد من القنوات مع بعض الحركات الإسلامية في أكثر من عاصمة عربية وغربية.

وبدأ جزء كبير من هؤلاء يكتبون عن الاستيعاب والحوار بدل المواجهة والاستئصال التي أدّت وتؤدي إلى طريق مسدود ويمكن الإشارة هنا إلى عدد من الدراسات والتقارير التي أعدتها مراكز بحوث ودراسات أمريكية لحساب الإدارة في واشنطن بهدف البحث عن أفضل السُّـبل لاحتواء الحركات الإسلامية ذات المنطلقات والرؤى الجهادية والتي ترفض الغرب والأمركة على وجه التحديد.

والدراسة التي أعدتها مؤسسة "راند" عن العالم الإسلامي والتي نشرت قبل فترة وجيزة تمثل حالة فكرية لهذه التوجهات الغربية الجديدة. وبعد صدور دراسة مؤسسة راند، صدر تقرير أوروبي موسّع يشير بصراحة إلى ضرورة التحاور مع الحركات الإسلامية، وتمّت مناقشة هذا التقرير من قبل المجموعة الأوروبية وبدأت العواصم الغربية تنتقل إلى الفعل السياسي الذي يقوم على المنطلقات التي وردت في التقرير.

وحسب الإستراتيجيين الغربيين فإنّ نهج الحوار مع هذه التيارات الإسلامية يهدف إلى مجموعة أمور لها صلة بالواقع الأوروبي الغربي، ولها صلة أيضاً بالعالم العربي والإسلامي.

فعلى الصعيد الغربي والأوروبي فإنّ هذا الحوار من شأنّه أن يُريح المسلمين الغربيين الذين وبالتأكيد ستكون لديهم ردات فعل سلبية لونهجت العواصم الغربية نهجا استئصالياً مع هذه الحركات، ومن شأن هذا الحوار أن يحافظ على الأمن السياسي والأمن الأمني في الغرب، وعلى صعيد العالم العربي والإسلامي فإنّ العقل الغربي والذي يهمّه كثيرا المستقبل futurlogieلا يريد أن يصطدم بالعالم العربي والإسلامي خصوصًا مع احتمال أن تكون التيارات الإسلامية قوى سياسية حقيقية في الجغرافيا العربية والإسلامية على المدى المتوسّط والبعيد ، خصوصاً وأنّ العالم الإسلامي مازال يعتبر الزبون الأول للغرب، كما لا يزال أهم مورّد للطاقة والتي عليها تدور راح التقنية الغربية وإلى أجل غير مسمى.

هذه الاعتبارات وغيرها تفسّر إلى حدّ كبير المسلكية الجديدة للاتحاد الأوروبي في الاقتراب من التيارات الإسلامية ومحاولة فهمها، ناهيك عن أنّ هذه المسلكية تؤمّن للتيارات السياسية الغربية الحاكمة الصوت المهاجر العربي والمسلم أثناء الانتخابات والتي تعولّ عليها القوى السياسية الغربية والتي يكثر رجالها ورموزها زيارة المساجد والمعاهد الإسلامية كلمّا دنت ساعة الانتخابات النيابيّة!!