الخميس, 15 نوفمبر 2018

اعتمدت على إبراز أهميّة إسهام السياحة في دعم الاقتصاد الوطنس

"إعلام وثقافة الشورى" توصي بوضع التشريعات المنظمة والمحفزة للاستثمار الثقافي بما يضمن صون المواقع التراثية

الأربعاء 20 يونيو 2018 07:06 م بتوقيت مسقط

"إعلام وثقافة الشورى" توصي بوضع التشريعات المنظمة والمحفزة للاستثمار الثقافي بما يضمن صون المواقع التراثية

    


مسقط - الرؤية
أقرّ مجلس الشورى في جلسته الاعتيادية الخامسة والعشرين من دور الانعقاد السنوي الثالث من الفترة دراسة لجنة الإعلام والثقافة حول الاستثمار في المواقع التراثية بالسلطنة، وذلك استشعاراً بأهمية التأكيد على إسهام قطاع السياحة في دعم الاقتصاد الوطني كأحد القطاعات الواعدة وإبراز أهمية القطاع السياحي في توظيف المواقع التراثية العمانية.
وقد اعتمدت اللجنة في دراستها للموضوع على عددٍ من المبررات العلمية والاقتصادية والمجتمعية منها إبراز أهميّة إسهام قطاع السياحة في دعم الاقتصاد الوطني.
كما اعتمدت على ما أوردته البيانات الإحصائية الرسمية من نمو مساهمة القطاع السياحي في الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى تنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط، وتعزيز دور القطاع السياحي في توظيف المواقع التراثية.
وتتمثل أهمية الدراسة في تنويع مصادر الدخل الوطني ورفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، وتوظيف المواقع التراثية كوجهات سياحية ذات جدوى اقتصادية، وتعزيز السياحة الثقافية.
وقد هدفت الدراسة إلى مراجعة التشريعات والقوانين الحالية ومدى مواءمتها لتسهيل إجراءات الاستثمار في المواقع التراثية، ووضع رؤية لتفعيل توظيف مواقع التراث في التنمية السياحية والثقافية مع التأكيد على تعزيز الهوية الوطنية والقيمة الحضارية للموارد الثقافية، والبعد الاجتماعي للمجتمعات المحلية، وتفعيل دور المجتمعات المحلية بأهميّة المشاركة في عملية التنمية لاستثمار مواقع التراث الثقافي، وتكاملية الاختصاصات والمهام، والعمل على استدامة التراث الثقافي وتحقيق المواءمة بين متطلبات الصون والتوظيف.


العمق التاريخي للسلطنة

وأشارت مقدمة الدراسة إلى أنّ التراث الثقافي يمثل أهمية للمجتمعات بما يحمله من قيم وطنية، وللمجتمع الدولي بما يحمله من قيم إنسانية متعددة، وتُعد المواقع التراثية وما تتضمنه من معالم تاريخية جزءًا أصيلاً من التراث الثقافي، إذ تُعد بمثابة الذاكرة الحيّة للمجتمع، ومن الشواهد والرموز الثقافية الماثلة للعيان، تجسّد العراقة وتعزز الهُوية الحضارية، وتحفظ الحقائق والأحداث التاريخية لفترات زمنية غابرة مضت.
واليوم أصبح العالم ينظر للتراث الثقافي المادي، ليس باعتباره عاملًا لمعرفة وتشكيل الهُوية الثقافية، ولكن كأحد العوامل الاقتصادية التي يمكن أن تعزز نوعية ونمط حياة المجتمعات، إذ أنه ونتيجة للطلب المتزايد على ارتياد المواقع التراثية، أصبحت هذه المواقع أحد الأدوات الهامة لتحفيز القطاع السياحي والنهوض به، واتجهت العديد من الدول للعمل بوتيرة متسارعة نحو زيادة مكتسباتها من الصناعة السياحية، من خلال وضع برامج تنفيذية لحماية وتأهيل معالمها التراثية بغرض تضمينها في سياسات التوظيف الاقتصادي المستدام.
ومع العمق والبعد التاريخي للسلطنة، وما خلفه من إرث حضاري متعدد، ومخزون من التنوع الثقافي، والذي يعكس جوانب حضارية مشرقة من التاريخ العماني التليد، حيث تشير إحصائية مكتب مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية إلى وجود قرابة 6 آلاف موقع ومعلم تراثي متنوع ما بين قلاع وحصون وقرى وحارات قديمة وأسواق ومقابر تاريخية وأفلاج وغيرها، تشكل في مجملها بيئة ملائمة وفرصة متميّزة لاستدامة هذا الإرث التاريخي وتوظيفه اقتصاديًا، وتنويع موارد الدخل الوطني.
وقد أشار تقرير منظمة السياحة العالمية لعام 2017م، إلى أنّ حجم السياحة الخارجية حقق نموًا قدره 7% بإجمالي بلغ مليارًا و322 مليون سائح، ويساهم بحوالي 10% من إجمالي الناتج المحلي العالمي، وتُشير الدراسات التي قامت بها المنظمات المختصة أيضًا إلى أن الدول التي تتوافر فيها الآثار تتمتع بميزة تمكنها من استقطاب الاستثمارات السياحية؛ فالمواقع التراثية تعد وعاءً لمعظم أنشطة السياحة الثقافية التي تشكل ما نسبته 37% من موارد السياحة العالمية، إذ أنّ أهداف التوجه العالمي تسعى إلى التخطيط المستدام لتوظيف المواقع التراثية اقتصاديًا، وتحقيق التناغم والتناسق بين سياسة الحفاظ من جهة وحاجات الحركة السياحية من جهة أخرى.
إنّ مؤتمرات منظمات السياحة العالمية الدولية للإحصاءات السياحية (قياس السياحة المستدامة)، بالإضافة إلى عدد من المؤتمرات ذات الشأن العالمي والتي منها: المؤتمر العالمي الثاني للسياحة والثقافة الذي عُقد خلال الفترة من 11 إلى 12 ديسمبر 2017 في سلطنة عمان، تؤكد على أهمية تقوية العلاقات بين السياحة والثقافة، ورفع مستوى مساهمة السياحة الثقافية نحو تحقيق أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة ٢٠٣٠م، والدفع بتعزيز دور السياحة والثقافة في بناء السلام وحماية التراث، والدعوة إلى استكشاف الروابط المتبادلة بين الثقافة والبيئة لتحقيق سياحة مستدامة، وايجاد إدارة سياحيّة مسؤولة ومستدامة للتراث الثقافي، واتخاذ منهجية إبداعيّة ومبتكرة للسياحة الثقافية لتحقيق تنمية حضرية مستدامة.
لقد أصبحت المواقع التراثية موردًا اقتصاديًا سياحيًا، يُؤسس لتنمية مستدامة تنعكس بشكل إيجابي في تحقيق منافع اقتصادية واجتماعية وثقافية للمجتمعات، إذ تشير الإحصائيات الرسمية لعدد من الدول الإقليمية والعالمية الرائدة في مجال توظيف المواقع التراثية سياحيًا، إلى تحقيق مكاسب اقتصادية واضحة من خلال الاستثمار للمواقع التراثية، ومن أمثلة ذلك أن إسبانيا استقطبت (81,8) مليون سائح أجنبي خلال عام 2017، كما استحوذت السياحة الثقافية على ما نسبته من (12 % إلى 20 %) من إجمالي عدد السياح في فرنسا.
أمّا ما يتعلق بالسلطنة؛ فعلى الرغم من تراجع أسعار النفط، إلا أنّ قطاع السياحة سجّل خلال الأعوام الثلاثة الماضية نتائج إيجابية، وفقًا للإحصائيات الرسمية للمركز الوطني للإحصاء والمعلومات، حيث بلغ حجم إسهام قطاع السياحة في إجمالي الناتج المحلي نحو 701.403 مليون ريال عماني بنسبة زيادة قدرها 2.8% عن عام 2016م، واستقبلت السلطنة ما مجموعه (3,300) مليون سائح.
وقد اعتمدت لجنة الإعلام والثقافة في جمع المعلومات لأغراض هذه الدراسة على عدة مصادر من أهمها الاستضافات واللقاءات المشتركة حيث استضافت اللجنة سعادة وكيل وزارة التراث والثقافة لشؤون التراث والمختصين بالوزارة، وسعادة وكيلة وزارة السياحة والمختصين بالوزارة، وكذلك مدير مكتب مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية، وعدد من الأكاديميين المهتمين بالشأن الثقافي.
كما اعتمدت اللجنة على البيانات والإحصائيات من المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، وقسم الإحصاءات بالهيئة العامة للصناعات الحرفية، إضافة إلى المشاركة في عدد من المؤتمرات الخاصة بموضوع الدراسة منها مؤتمر الاستثمار في الثقافة الذي نظمه النادي الثقافي والجمعية الاقتصادية العمانية في أبريل العام الماضي، والمؤتمر العالمي الثاني للسياحة والثقافة بمسقط خلال ديسمبر2017 والذي نظمته وزارة السياحة ووزارة التراث والثقافة، بالتعاون مع منظمة السياحة العالمية، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو).
وأشارت الدراسة إلى بعض برامج الاستثمار في التراث المادي ومنها قيام الدولة بالاستثمار المباشر في المواقع التراثية لفترة زمنية محدودة، وذلك من خلال تنمية نماذج ناجحة من القرى واستثمارها اقتصاديًا، وتأسيس شركات استثمارية تتولى تطوير المواقع التراثية، وإيجاد صندوق لتنمية المواقع التراثية، تموّله المؤسسات، والهيئات الحكومية، ومؤسسات القطاع الخاص والمجتمع المحلي، فضلاً عن مساهمات رجال الأعمال والمستثمرين في المناطق القريبة من المواقع التراثية، والجمعيات الخيرية، وتأسيس شركة لاستثمار المواقع التراثية يتم تمويلها من خلال الصناديق السيادية للدولة، والمستثمرين من القطاع الخاص.
وحددت الدراسة مرتكزات أساسية لتعزيز التعاون بين الجهات الحكومية والخاصة والمجتمع المحلي، وتتمثل تلك المركزات في تحديد الأدوار وتكاملها بين مؤسسات القطاع الحكومي حيث يتطلب الاستثمار بأي موقع تراثي توافر بيئة مكتملة وحاضنة للاستثمار بكل عناصرها، فالاستثمار بالمواقع التراثية يُشرف عليه عدد من الجهات الحكومية، إذ أنّ وزارة التراث والثقافة يتمثل اختصاصها في الحفاظ على التراث الوطني وصونه واستدامته، ويتقاسم معها هذه المهام مكتب مستشار جلالة السلطان قابوس للشؤون الثقافية الذي يشرف على عدد من المواقع الأثرية، كذلك تعد الهيئة العامة للصناعات الحرفية شريك أساسي لتفعيل آلية الاستثمار، إضافة إلى أنّ شروط الاستثمار والتراخيص تعالجها الجهات المعنية ومنها وزارة السياحة والشركة العمانية للتنمية السياحية (عمران).
ومن المرتكزات كذلك تكامل الأدوار بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص والمجتمع المحلي حيث يُعد جذب الاستثمارات السياحية ورأس المال الأجنبي في قطاع السياحة بشكل عام بما فيها تنمية قطاع السياحة الثقافية من اختصاص الهيئة العامة لترويج الاستثمار وتنمية الصادرات (إثراء) ولأهمية الموروث الثقافي الوطني، تسعى الحكومة إلى توظيف التراث الثقافي اقتصاديًا بإسناد مشاريع إدارته وتشغيله للقطاع الخاص العماني والشركات الأهلية والمجتمع المحلي.
كما أنّ هناك جهات حكومية وأخرى خاصة وأهلية وجمعيّات المجتمع المدني تتشارك مجالات اختصاصها في توظيف المواقع التراثية اقتصاديًا وسياحيًا، منها -على سبيل المثال لا الحصر-(المجلس الأعلى للتخطيط ووزارة الإسكان كونهما الجهات المختصة بتحويل استعمالات الأراضي، ووزارة البلديات الإقليمية وموارد المياه واختصاصاتها الفنية المعنية بتوفير وتطوير خدمات البنى الأساسية للمواقع التراثية، وغرفة تجارة وصناعة عمان كونها ممثلًا عن القطاع الخاص، الذي يعول عليه الكثير للقيام بأخذ زمام المبادرة في التنفيذ والاستثمار، وأخيرًا المجتمع المحلي وفئاته المتعددة الذي يعد نقطة الارتكاز في هذا التوجه.
وفي هذا السياق أكّدت الدراسة على ضرورة التكامل بين الجهات الحكومية والقطاعات الأخرى لوضع رؤية واضحة وموحدة تُعنى بتفعيل الاستثمار في المواقع التراثية، إذ أنّ المرحلة الحالية تتطلب مزيدًا من التعاون والتكامل، والذي من شأنه بناء شراكة فاعلة وفق مسارات تقدم حلولًا لتحديات استثمار التراث وتوظيفه اقتصاديًا.

 


تحديات الاستثمار في المواقع التراثية

وذكرت الدراسة أنّ الاستثمار في المواقع التراثية يواجه العديد من التحديات تتمثل أبرزها في غياب المُناخ الملائم لتشجيع الاستثمار في التراث الثقافي، وقصور التشريعات القانونية المنظمة له، ونقص الموارد المالية للجهات الحكومية، وغياب آليات تمويل مشاريع توظيف التراث إذ لا يوجد هناك تمويل كافٍ لإدارة وصيانة واستدامة المواقع التراثية وتوظيفها اقتصاديًا، في ظل كثرة عدد المواقع التراثية التي تحتاج لصيانة وحماية وترميم وتجديد وحجم التكلفة المالية العالية لها.
تتضمن التحديات قلة الكوادر البشرية المختصة بعلم الآثار والصيانة والترميم والمتاحف، وعدم وجود الخبراء في مجال ترميم وصيانة المقتنيات الموجودة في المتاحف الوطنية، وعدم وجود رؤية واضحة لنوعية المشاريع الملائم إقامتها في المواقع التراثية، إضافة إلى تعدد الجهات الحكومية المسؤولة عن مجال توظيف التراث اقتصاديًا ساهم في ضعف التكامل فيما بينها أولًا وبين تلك الجهات وقطاعات المجتمع الخاصة والأهلية ثانيًا.
كذلك يمثل نقص المرافق العامة وخدمات البنى الأساسية لكثير من المواقع التراثية أحد التحديات إضافة إلى صعوبة الاستثمار في بعض المواقع التراثية ذات الملكية الخاصة، وعدم وجود قاعدة بيانات متكاملة للتراث الثقافي بصفة عامة والمواقع التراثية بصفة خاصة، وتضارب المصالح بين القطاع العام والقطاع الخاص في توظيف التراث الثقافي اقتصاديًا، إذ أنّ إشراك القطاع الخاص في الاستثمار تعوقها مجموعة من المصالح المختلفة، فمن جهة تنظر الجهات المعنية إلى القيم الثقافية في أعمال الصيانة والحفظ، بينما ينظر القطاع الخاص إلى تحقيق العائد المالي.
ومحدودية المشاركة المجتمعية في توظيف وتشغيل وإدارة المواقع التراثية اقتصاديًا، لذا يُعد تفعيل دور المجتمعات المحلية في توظيف التراث توظيفًا مستدامًا مطلبًا أساسيًا
وتوصلت الدراسة إلى عددٍ من التوصيات تمثلت في وضع التشريعات القانونية المنظمة والمحفزة للاستثمار الثقافي اقتصاديا بما يضمن صون المواقع التراثية وإحراماتها والحفاظ عليها. تعزيز الموارد المالية والبشرية والفنية للجهات الحكومية بما يسهم في تهيئة المواقع التراثية للاستثمار. دعم المواقع التراثية ذات الملكية الخاصة بما يضمن استدامتها وتحقيق العائد المادي للاستثمار بها.
كما أوصت الدراسة بتفعيل دور الإعلام بكافة "أنواعه ووسائله" محليا ودوليا للتعريف بالمواقع التراثية والترويج له والتسويق للفرص الاستثمارية المتاحة وآليات التوظيف الاقتصادي والسياحي لها، إضافة إلى أنّ رفع مستوى الوعي المجتمعي حول استثمار المواقع التراثية يقوم على معيار العائد المحقق من كل موقع أو كل جهة حكومية، وتشجيع الجهات البحثية والأكاديمية للقيام بدراسات ذات طبيعة اقتصادية تسهم في تحفيز الاستثمار في المواقع التراثية ودعم الاقتصاد الوطني.
كما أوصت بالاستغلال الأمثل للإمكانيات العمرانية والاقتصادية والاجتماعية في إنشاء القرى التراثية والأسواق الشعبية، وتشجيع الشركات الأهلية لصيانة وتشغيل المواقع التراثية للاستثمار في المحافظات التابعة لها.
كذلك أوصت بأهميّة وجود مقرر دراسي في مؤسسات التعليم العالي يعنى بدراسة الاستثمار في المجال الثقافي، وتعزيز ثقافة الاستثمار المعرفي والثقافي لدى النشء من خلال تنشيط زيارات طلاب المدارس للمواقع التراثية.