الإثنين, 19 نوفمبر 2018

المنهج الإسلامي يحقق العدالة في إدارة الأموال من طرق الكسب إلى الإنفاق

الإثنين 21 مايو 2018 04:27 م بتوقيت مسقط

المنهج الإسلامي يحقق العدالة في إدارة الأموال من طرق الكسب إلى الإنفاق

د. صالح القاسمي

تتسارع الأحداث على مدى الحياة الإنسانية، وتتداخل حتى لا يكاد يستطيع معها المتابع التمييز بين البداية والنهاية، وهذه سُنة الحياة البشرية. ومنذ أن خَلق الله تعالى الإنسان وأمره بالسعي في هذه الدنيا  "هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ" (الملك:15)؛ فهو في رحلة سَعي متواصلة لتأمين قوت يومه، وخلال هذا السعي يظل الإنسان في قلق رغم تكفل الله تعالى بالأرزاق وتكليف الإنسان بالاجتهاد والسعي للحصول على ذلك القوت.

إنَّ المسلم يُدرك تمام الإدراك أنَّ الأرزاق مُقسَّمة، وأن الإسلام وضع منهجاً عادلاً لإدارة الأموال ابتداء من طرق الكسب وانتهاء بعمليات الانفاق؛ استناداً إلى أن المال مُلك لله تعالى والإنسان ما هو إلا مستخلف فيه.

هذا التصور الإيماني للنظرة إلى المال هو أساس التنمية لما يمثله الانفاق من استقرار نفسي ومجتمعي يجعل من مبدأ التكافل بين أفراد المجتمع غاية يسعى الجميع إلى تحقيقها.

إن رسالة الإسلام جعلت من الارتقاء بالإنسان هدفًا ساميًا من خلال تزكية النفوس من الشح والبخل والحث على إخراج الصدقات "خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" (التوبة:103)، وقال تعالى: "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" (التوبة:60)، وهناك من أوجه الانفاق التي أتى بها الاسلام وحث عليها الشيء الكثير مثل زكاة الفطر والأضحية والإنفاق على الزوجة والأقارب. فقد ورد عن البني عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم في الأضحية أنه قال: "كُلُوا وأَطْعِمُوا واحبِسُوا وادَّخِروا".

ويعدُّ الوقف من أهم وجوه الإنفاق التي حث عليها الإسلام، بل هو الشمعة التي أنارت دروب الخيرات وأيقظت فتيل الأفكار لإيجاد صور مبتكرة وصيغ وقفية تخدم الإنسانية بشكل عام.

إن الاختبار الحقيقي لفعل البر هو الإنفاق؛ فقد جُبل الإنسان على حب المال والتمسك به، قال تعالى: "وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا" (الفجر:20)؛ لذلك فإن إخراج الزكاة والتصدق لفعل الخير ومنه الوقف على اعتباره صدقة جارية يعتبر اختبارا حقيقيا للتقوى؛ تلبية لنداء الله تبارك وتعالى: "مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" (البقرة:245)، إلا أن طريق الخير ينازعه في الجانب الآخر وسوسة الشيطان وأعوانه بما يصوره للإنسان من مخافة الفقر والعوز، قال تعالى: "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" (البقرة:268)، هكذا يظل الصراع مستمرا بين حب فعل الخير وبين وسوسة الشيطان، وهذا هو الاختبار الحقيقي للإنسان؛ إلا أن الله تعالى وعد المنفقين بالثواب العظيم ووعدهم بمضاعفة الأجر، قال تعالي: "مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" (البقرة:261).

نظام الزكاة في الإسلام نظام فريد من نوعه، له أحكامه الخاصة والمرنة؛ بحيث تدفع الزكاة في المكان الأقرب فالأقرب، وهذا من رحابة الفكر الإسلامي؛ فالمبدأ العام يعتمد على نهج "الأقربون أولى بالمعروف"؛ فالمجتمع الإسلامي عبارة عن حلقات متواصلة ومترابطة يبدأ من الأسرة الصغيرة ثم القرية ثم المدنية، ويمتد ليشمل الأمة الاسلامية بمفهومها العام.

إن تفعيل نظام الزكاة وإيجاد آليات حديثة تواكب التطور الهائل للأنظمة الالكترونية أصبحت حاجة ملحة للوصول إلى الحالات المستحقة؛ لأن هناك الكثير من الحالات المستحقة لا تزال تتردد من السؤال في طلب الحصول على الزكاة؛ قال تعالى: "لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ" (البقرة:273).

وفي المقابل، يرتكز الاقتصاد الإسلامي على نظام آخر لا يقل أهمية وأثرا من نظام الزكاة ألا هو نظام الأوقاف، الذي يعد نظاما إسلاميا خالصا بصورته الحالية، رغم وجود أشكال مماثلة للوقف قبل الإسلام حسب ما ذكره الإمام الشافعي.

نشأ الوقف منذ عهد الرسول -عليه أفضل الصلاة والسلام- وصحابته الكرام؛ فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه، قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له، رواه مسلم.

وأسهمت الأوقاف بشكل مباشر في عملية التنمية بل أصبح الوقف الاسلامي موردا تنمويا اجتماعيا مهما متلازما مع متطلبات الحاجات الاسلامية للمعيشة، فأصبح الوقف متولياً توفير الرعاية الاجتماعية.

وعلى مدار الأزمنة الماضية، اطلع الوقف بدور ريادي في الحفاظ على الهوية الإسلامية للمجتمع؛ فخلال فترات الضعف والوهن اعتمدت المجتمعات الاسلامية على ما يقدمه الوقف من غذاء وتعليم وعلاج...وغيرها من الخدمات. وخلال فترة ما بعد الاستقلال، وظهور الثروات، خفت بريق نظام الأوقاف، لكنه بقي ككنز من كنوز الثروة الخيرية؛ فحجم أموال الأوقاف نسبتها عالية جدا.

إن الحاجة الآن أصبحت مُلحة جدا للالتفات إلى ما تملكه الأوقاف من ثروة اقتصادية جبارة تحتاج تطوير لآلياتها الاستثمارية لتواكب مقتضيات الحياة العصرية.

إن مجال العمل الوقفي مجال واسع متعدد الصيغ، وهو مجال رَحب يُمكن تفعيله لتقديم خدمات مجتمعية متعددة على أن تحقيق ذلك يتطلب وضع إستراتيجيات عامة لضمان تحقيق الأهداف والمحافظة على ديمومة الأوقاف بحسب شرط الواقف. كما ينبغي تفعيل دور المراقبة على الاستثمارات الوقفية لضمان عدم استغلالها في أنشطة مخالفة للنظام العام.