الجمعة, 21 سبتمبر 2018

مقال : زميلي العزيز.. أكرهك

الثلاثاء 13 مارس 2018 08:14 م بتوقيت مسقط

 

مدرين المكتومية

 

في ظنّي أنّ الصراعات التي تنشب في المؤسسات الحكومية أو الخاصة تكون دائمًا شرارتها الأولى سعي البعض للتكويش على ما يطمعون فيه من منافع شخصية على حساب عملهم، وأحيانا على حساب زملائهم.

البعض بالطبع يحاول أن ينأى بنفسه بعيداً عن هذا التوتر ويتخذ ركنا قصياً في المؤسسة تفادياً للدخول في نزاعات أو صدامات يعرف جيداً أنه سيكون الخاسر فيها.

لكن رغم أنّه يحافظ على أعصابه وجودة عمله إلا أنّه غالبا ما يخسر مزايا مادية كمنحة أو علاوة أو ترقية لأنه ببساطة لا يملك أدوات التقرب والتودد والنفاق الذي للأسف أصبح أحيانا في بعض الأماكن سبيلا للترقي.

ولا عجب أن يجتمع النقيض بالنقيض في مكان عمل واحد فهذا موجود في كل العالم لكن ما يُفجر المشاكل بكثرة هو إذا لم تكن هناك معايير تقييم أداء واضحة تثيب وتعاقب، حتى مسألة الترقية بمجرد سكن الوظيفة وبالأقدمية ليس يمثل أحيانا ظلما لأحدهم، ويقتل أي سعي نحو التجديد والإبداع فإذا كان دائما الأقدم له الأولوية فكيف سيفتح باب التنافس على المزيد من الإجادة في العمل.

وأكرر أنّه للأسف مازالت بعض الممارسات في أماكن العمل سواء الحكومية أو الخاصة تدعو للرثاء من جهة وللبحث عن حلول من جهة أخرى لصالح العمل أولا ولتحسين البيئة الإنسانية داخل المكاتب من جهة أخرى؛ فهناك موظفون يذهبون للمكاتب لا يملأهم شغف العمل والإنتاج بقدر ما يملأهم الطمع والأنانية، ولا يردعهم شيء عن استخدام كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لنيل مبتغاهم ولو على حساب زملائهم رغم عدم إظهارهم ذلك؛ وكأنّهم يقولون في العلن زميلي العزيز ويكملون الجملة في السر بكلمة أكرهك.. يتوددون لزملائهم طوال الوقت إن كانت لديهم مصلحة عندهم ثم يعلنون الحرب عليهم إن انتهت تلك المصلحة.

هناك من يتكسبون عبر نفاق مرؤوسيهم والمداهنة وذم الزملاء أمامهم، مثل هؤلاء يشبهون السرطان الذي ينخر جسد المريض، وفي هذه الحالة ينخر جسد المؤسسة سواء حكومية أو خاصة لأنّ صعود هؤلاء يشجع غيرهم على اتباع أساليبهم وانتشار هذه السلوكيات لتصبح هي القاعدة.

وحتى تتم معالجة الوضع ووضع أسس تقييم عملية للثواب والعقاب فإنّ الموظف والعمل سيظلان رهنا بمدى إتاحة مناخ العمل للنفاق والمداهنة والحقد والطمع، فإن كان هذا المناخ يتيح للموظف الذي يجيد هذه الممارسات أن يتقدم على غيره ويجني ثمار كراهية يزرعها فإنّه لا محالة سيحكم على عمل المؤسسة ككل بالفشل مع مرور الوقت، بينما إذا كان المناخ صحيا ولا يسمح باستشراء تلك العادات الذميمة ويضع لوائح عمل حازمة شفافة واضحة فمن الممكن أن توقف المؤسسة انتشار هذا الفيروس وتحقق بيئة عمل صحية وناجحة.

الترقي حلم وهدف مشروع لكل موظف في أي مؤسسة؛ ولكن شرط الالتزام بمعايير طبيعية ومنطقية وسلوكيات مهنية راقية لتحقيق ذلك إضافة إلى بذل الجهود المناسبة وإثبات الكفاءة والنجاح، بدلاً من خلق أجواء مشحونة بالكراهية والخلافات بين الزملاء، فمن يستغل عمله فقط في ما يعود عليه بالنفع الشخصي فإنّه يختلس وقت العمل ومنصبه في الوظيفة، وهو بذلك يسرق مالا حراما هو الراتب الذي يفترض أن يتقاضاه على أداء عمل يفيد المؤسسة التي يعمل بها، بينما ينفق وقت عمل هذه المؤسسة في أعمال أخرى خاصة به.

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في معالجة مثل هذا الاختلال في أداء العاملين لأعمالهم، فقد رُوي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية؛ فلما جاء حاسبه قال هذا مالكم وهذا هدية لي، فرد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا: "فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا" ثم خطب في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فإنّي أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته، والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة فلأعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يده حتى رئي بياض إبطه يقول اللهم هل بلغت بصر عيني وسمع أذني.

 ما يخفف الضغط هو أنّه لا يزال هناك من يحلمون بأداء أعمالهم بطريقة تعتمد على الاحترام والتقدير والحب والترابط الاجتماعي، ولم يصابوا بفيروس الطمع والاحتيال والأنانية، ولعلّ هؤلاء يجدون من ينجدهم بتطبيق قواعد العدل والتقييم العلمي؛ حتى يمكن أن يتصدروا الوظائف بدلا عن تلك الظواهر المنتفخة زورا ونفاقا وكرها لغيرها.

  [email protected]